الرئيسيةفضاء المرأةتتعمق فوتشيتش في تاريخ المرأة المغربية العاملة خارج المنزل

تتعمق فوتشيتش في تاريخ المرأة المغربية العاملة خارج المنزل

وبالعودة إلى التاريخ المغربي، أكد الدكتور إبراهيم القادري بوسيك أن الموقف من النهوض المهني للمرأة يجب أن ينطلق من مبدأ احترام تاريخ الفلاحات والحرفيات والتاجرات اللاتي تركن منازلهن بحثا عن مصادر الرزق، مشددا على أن “أي اعتداء على هذا التراث النسوي سيعتبر انتهاكا لقوانين التاريخ”.

وقالت الباحثة وأستاذة التاريخ في مساهمة خاصة لهسبريس إن “عمل نساء العصور الوسطى لم يقتصر على جدران المنزل، بل اخترقن الفضاء الخارجي، ونحتن لأنفسهن مكانا في مجال الإنتاج، وكانن حاضرات بقوة في الحقول، في ورش الحرف اليدوية، في الأسواق، في مجالات التجارة والمعاملات المالية، حيث لم تنطفئ مصابيح البيوت المغربية في العصور الوسطى أبدا، وكانت هي الطاقة الوحيدة المتاحة في ذلك الوقت”.

وفيما يلي نص مقال بوتشيتش كما ورد في الصحيفة.

ضرورة التاريخ لتحديد وضعية دخول المرأة المغربية إلى سوق العمل

ويأتي هذا المقال في سياق النقاشات الأخيرة في بعض وسائل الإعلام المغربية عقب التصريحات التي أدلى بها الوزير الأول عبد الإله بنكيران في المؤسسات المسؤولة دستوريا فيما يتعلق بالمرأة ومجال العمل خارج المنزل.

وليس الهدف من هذا المقال تقديم حجة سياسية أو رؤية حزبية لاستغلال “مغالطات” التصريحات المذكورة لتسجيل نقاط إضافية على حساب الطرف الآخر واستخدامها في أجندة الانتخابات المقبلة. كما أنه لا ينوي تبرير أي “تحريف” أو سوء تفسير لهذا البيان. بل هو طرح ثقافي بحت، يرتكز على مقاربة تاريخية تعترف بدور التاريخ في تشكيل أرض خصبة لأي نقاش سياسي أو اجتماعي، وتخلق بيئة معقولة مناسبة لأي مقاربة تهدف إلى معالجة مشاكل المجتمع المغربي، بما في ذلك قضية المرأة المغربية وإدماجها في سوق العمل. لماذا وما أهمية الرجوع إلى التاريخ في مثل هذه القضايا؟

ولعل الأساس الأول الذي نعتمد عليه لتبرير طرح التاريخ كمرجع في مناقشة مسألة السماح للمرأة بدخول سوق العمل، هو أنه طوال التاريخ المغربي، لم تكن مسألة دخول المرأة إلى سوق العمل وإعالة أسرتها موضع جدل ونقاش على النحو الذي يحدث أمام أعيننا اليوم.

لقد كانت قدرة المرأة على العمل خارج المنزل حقا مكتسبا لا يمكن لأحد أن يجادل فيه، بما في ذلك الفقهاء الذين دونوا النصوص القانونية، وعقود العمل، وعقود الشركات التي كانت المرأة أحد الأطراف الرئيسية فيها. ومن كان عنده شك في ذلك فليرجع إلى مصائب ابن رشد وفتاوى ابن الحاج وابن بشتجر والقاضي عياض وغيرهم من الأئمة المجتهدين.

وحتى لو حاولت بعض النصوص النظرية تعزيز دونية المرأة وعدم قدرتها على تحمل المسؤولية، فإن الواقع التاريخي الملموس أظهر عكس هذا الاتجاه تماما. خاصة منذ انتشار حركة مقاصد الشريعة، وكثرة الحروب، وخسارة رأس المال الذكوري، وحاجة المرأة إلى كسب لقمة العيش، كل ذلك جعل من عمل المرأة خارج المنزل مجرد إنجاز.

ويتجسد الأساس الثاني لاستحضار التاريخ في أن التاريخ أداة لفك رموز تطور الحضارة الإنسانية، ومثال وعبرة، وأداة للتأمل والتأمل من منظور هاردوني. كما أنها فرصة للتأمل لبناء أنفسنا، ولحظة تأسيسية للتفكير الإيجابي، وفرصة لإرساء أساس ثقافي متين لتوضيح الحقائق والدفاع عن الحقوق التي اكتسبناها، سواء كانت حقوق المرأة أو حقوق الآخرين. إن مبدأ الحقوق التاريخية يضفي شرعية واسعة على القضايا المتنازع عليها. ويتجلى ذلك في مثال الصحراء المغربية، التي استعادت حقوقها التاريخية بقوة، كما تشهد على ذلك الوثائق والأوراق. والأمثلة في هذا الصدد طويلة إذا أردت الاطلاع على هذا أولاً وقبل كل شيء.

أما الأساس الثالث الذي نعتقد أنه يسمح لنا باعتماد مقاربة تاريخية تجاه القضايا الراهنة التي تتم مناقشتها تحت قبة البرلمان، فهو أن التاريخ المغربي كان دائما متناغما ومنسجما مع النظرة الإسلامية للمرأة وتقاليد البيئة الأمازيغية. وكلاهما يشكل الهوية التي يستمد منها التشريع، والتي منها يبنى مبدأ القضاء على التمييز ضد المرأة. علاوة على ذلك، عمل البيئتان الإسلامية والأمازيغية معًا على رفع سقف مشاركة المرأة، ومن خلال تطبيق القوانين والأعراف، سمحوا للمرأة بالمشاركة في العمل خارج المنزل. ولذلك، فإن المقاربة التاريخية التي نقترحها لا تحل محل خيوط المنظور الليبرالي حول المرأة الإسلامية وقضايا “النوع الاجتماعي”، أو الوسط الأمازيغي الذي احتضن المجتمع الأمازيغي، والذي رفع مكانة المرأة المغربية ووضعها على قدم المساواة مع الرجل. بل خلقت المرأة عنصرا مهما في تاريخ العمل النسائي بالمغرب، مما أعطى المرأة أفضلية على عمل الرجل، وهو ما كشفت عنه الدراسات الأنثروبولوجية، مؤكدة غياب الروحانية الذكورية في بعض مناطق المغرب آنذاك. وسيط، وفي بعض الأجزاء يهيمن عليها نظام عاموس.

الأساس الرابع والأخير يكمن في أن أعمال المرأة المغربية هي موضوعات تتناسب مع فضاء الأرشيف التاريخي القديم الذي يتحدث عن التراث الوطني. وللأسف، لا تزال الأمة تعاني من القيود، وعدم المساواة، والتسطيح، والرؤى المجردة أو الأيديولوجية التي يطرحها أولئك الذين يريدون “تشويه” حقائق التاريخ. والمهم في هذا الصدد هو أن صياغة أي بيان حول مسألة عمل المرأة خارج المنزل واتخاذ أي قرار بشأنه، سواء في الصالونات السياسية أو في المنابر الإعلامية، يجب أن ينطلق من مسؤولية هذا التراث وضرورة احترامه، وعدم تشويهه أو إدخال أحكام وتفسيرات غير مستقرة أو تفسيرات غامضة نتيجة الإخفاقات والشروخ التي يعرفها مجتمعنا.

وينبغي أن ينطلق النظر في ولوج المرأة إلى مجال العمل من مبدأ احترام تاريخ المزارعات والحرفيات والتاجرات اللاتي تركن بيوتهن للعمل في الأرض بحثا عن مصدر رزق وأظهرن مهارات كبيرة وقدرات إنتاجية شهد عليها المؤرخون عبر التاريخ المغربي. وأي اعتداء على هذا التقليد النسوي، في المناقشات أو في المبادرات الوطنية، يعتبر انتهاكا للقوانين التاريخية، وانتهاكا للأعراف الاجتماعية، وضربة للهوية والمشاريع الاجتماعية.

وانطلاقا من هذه المبررات، التي تسمح باستخدام المنهج التاريخي في هيكلة القضايا الراهنة وصياغة قوانين وقوانين تتسم بالاعتدال والحكمة، سأحاول سريعا الكشف عن بعض أدوار المرأة المغربية في العصور الوسطى، وهي الأدوار التي خلقتها خارج بيت الزوجية دون إنكار أمومتها. اكتشفي أن تاريخنا حافل بنماذج لنساء جمعن بين الأمومة والعمل خارج المنزل، وجمعن بين دور الأم ودور العاملة في الحقل أو في ورشة حرفية. دور السوق، الفارس المحارب الذي يحمي الوطن، السياسي الموهوب الذي يساهم في بناء الوطن، العالم اللامع الذي ينشر العلم وينشر القيم.

وفي هذا الصدد، تكشف النصوص التاريخية التي تعود إلى العصور الوسطى المغربية أن المرأة المغربية احتلت مكانة مرموقة في عملية الإنتاج في المزارع والورش والأسواق. ولا شك أن هذا الوضع الإنتاجي نتج عن الظروف الاقتصادية وحاجة الأسر إلى مصدر ثانٍ للرزق يضمن لها العيش. ولذلك، فقد قدمت مساهمة فعالة في المجال الفلاحي، كما يتضح من الإشكاليات القانونية الخاصة بالصحراء المغربية. كما ساهمت في بيع المنتجات والسلع، ويُعتقد أن ابن تومرت المنظر العقائدي للدولة الموحدية قد شهد مجموعة من النساء يبيعن الحليب في سوق مدينة تاوريرت، كما سجله في مذكراته رفيقه البيدق في طريق عودته إلى مراكش. وكان أحد أسواق المغرب يعرف أيضا بسوق الغزل. اجتمعت النساء هناك لبيع الصوف المنتج يدويًا وتحفيز التداول الاقتصادي. وفي نفس السياق، تكشف عدة وثائق أن سكان منطقة سوسة حفزوا النساء على كسب لقمة العيش من خلال إنتاج الحرف اليدوية وبيع السلع المفيدة. ومن مغامرات ابن رشد عقد بيع موقع بين امرأتين وعقد آخر يتعلق بمساهمة المرأة في شركة لطحن الدقيق، مما يشهد على النهج التشاركي للمرأة في سوق العمل ودورها المهم في المعاملات المالية والمؤسسات الربحية.

وعلى المستوى السياسي، لا نريد التوسع في نموذج زينب النفزاوية. بل وحتى نكون منصفين، فإننا نكتفي بمجرد التذكير بدور المرأة في صناعة التاريخ المغربي. المرأة/عارضة الأزياء التي صورناها هي ابنة تاجر كبير من القيروان. نشأت في جو حضاري، واكتسبت مهارات وذكاء يفوق ذكاء الرجال، وأظهرت شخصية وتأثيرا في شؤون السياسة والحكم. وكانت حاضرة بقوة لحظة تأسيس الدولة المرابطية، والتي عبر عنها ابن خلكان بما يلي: ((كانت من أجمل النساء وحكمت بلاده)). وهذا ليس بغريب فهي كانت مستشارة ليوسف بن تاشفين، وكان يوسف بن تاشفين يتبع نصيحتها وكلما واجه مشاكل أو واجه صعوبات كان يلجأ إليها لتقديم الحلول الناجعة. وفي الواقع، كان لها الفضل في قيادة فتح المغرب، كما كشف ذلك المؤرخ ابن الخطيب، الذي كان زوجها “يقول، عندما يكون وحده مع أبناء عمومته، عندما تُذكر: “إنما فتح البلاد برأيها”.

وتوضح نصوص العصور الوسطى أن نساء قبيلة صنهاجة شاركن في المجالس القبلية، وكانت آرائهن تحترم، وكرست معظم أعمالهن خارج المنزل، وتمكنن من أداء مجموعة متنوعة من الأدوار. في الواقع، في منطقة تاجارا جنوب المغرب، المتاخمة للمحيط الأطلسي، قادت امرأة إحدى قبائل مسوفا. ربما تكون هذه الأدوار المتميزة التي لعبتها نساء الصنهاجي قد جعلت من الارتباط بالأم ممارسة موروثة في بعض مناطق المغرب. بل وجد هذا الرجل نوعاً من الشرف والفخر في ارتباطه بأمه. ويمكن التأكد من ذلك من خلال أسماء القادة والشخصيات المؤثرة في مجتمع الطبقة المتوسطة المغربي، مثل القائد العسكري ابن عائشة، ومحمد بن فاطمة، والشيخ ابن حواء، والوالي ابن جنونة قرطبة، والوالي ابن الصحراوي فاس.

وإلى جانب الأدوار السياسية المختلفة التي لعبتها المرأة، فقد لعبت أيضا أدوارا بارزة على المستوى العسكري. وهناك تميزت نساء المرابطات بشجاعتهن وإقدامهن، وتدربن على القتال والمصارعة والفروسية. وفي هذا الصدد، تذكر وثيقة مسيحية وجدت في ‘الخبز’ عام 1596م أن جيش المرابطين الذي شارك في إحدى معارك عام 1139م كان يضم العديد من النساء، اللاتي ارتدين ملابس الرجال وقاتلن بروح الفرسان. ويقول بعض المؤرخين إن زوجة الأمير تاشفين بن علي ركبت معه على نفس الحصان الذي كان يركبه الأمير تاشفين بن علي خلال المواجهة الحاسمة مع الموحدين في مدينة وهران على ساحل البحر الأبيض المتوسط. ورغم عداوته للمرابطين، إلا أن هذا البيدق يشهد على شجاعة فانو بنت عمر بن انتيان التي استطاعت مقاومة الموحدين بشكل بشري وأثارت دهشة وإعجاب القوات الموحدية.

وينعكس عمل المرأة خارج المنزل أيضاً في العمل الطبي. تتضمن السير الذاتية أسماء نساء من القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين ماهرات في الطب، مثل أم عمر بنت أبي مروان بن زر التي وصفها أحد المؤرخين بأنها «متقدمة في الطب وماهرة في الإدارة والعلاج»، ويكفينا أنها ذهبت إلى قصور الأمراء واهتمت بأمراض النساء والأطفال والإماء. وكذلك الأمر بالنسبة لأخت أبي بكر بن زور المشهورة بخبرتها في أمراض النساء والتوليد.

وفي مجال الأدب والثقافة، لم تعد واحدة من النساء اللاتي يطلق عليهن لقب “اللبنانيات”. ومنهن الفورة حواء بنت تاشفين التي وصفها ابن عذاري بأنها “شاعرة عظيمة بارعة”. وكثيراً ما كانت تحضر اللقاءات الأدبية مع الشعراء، وتتفوق في ذكائهم وبصيرتهم، وتحاضر في جميع المواد الأدبية. بالإضافة إلى عقلها وأدبها وعقلها، كانت تميمة بنت يوسف بن تاشفين أيضًا إدارية ممتازة. قامت بتدقيق وإدارة حسابات الموظفين الحكوميين وقراءة الشعر. وبالإضافة إلى بنات الأمير إبراهيم بن تفرويت إب وزينب، وورقاء بنت ينطن، وموجه بنت عبد الرزاق، وحمدة، وأخواتهن زينب والشرابية، يمكن أن تطول القائمة لسرد جميع القدوات النسائية، لكن هذا يكفي. وقد خلقت هذه الطفرة النسوية والاهتمام بمجال الأدب والشعر ظاهرة عرفت باسم “أدب المرأة”.

علاوة على ذلك، فقد أثبتت هذه المرجعية التاريخية بالحجة والدليل أن عمل المرأة في العصور الوسطى لم يقتصر على جدران المنزل، بل تغلغل في الفضاء الخارجي، ونحت مكانتها في مجال الإنتاج، وكانت حاضرة بقوة في المجالات وورش الحرف اليدوية والأسواق ومناطق التبادل التجاري والمعاملات المالية. امتدت أذرعها الطويلة إلى ميدان السياسة وساحات الصراع والحرب، بل أشارت بإعجاب إلى الوثائق والسجلات الأوروبية، ناهيك عن حضورها الثقافي ومشاركتها في المجالس الأدبية والفضاءات المعرفية كمنتجين للأفكار ومعلمين ومشرفين، دون أن يطفئوا أنوار البيت المغربي الوسيط الذي كان مصدر الطاقة الوحيد آنذاك.

هذا ما قاله التاريخ، وهذه حقائق لكل ذي قلب، أو شهيد، استمع… ومع أن الصحيح أن اتخاذ موقف سليم من هذه القضية يتطلب أيضاً بحثاً نفسياً واجتماعياً لقياس نبض الرأي العام واتجاهاته، وخاصة الآراء النسوية، إلا أن التاريخ يبقى مرشداً أساسياً، فلنأخذ منه العبر قبل تحديد الموقف.

إذا كان هذا العالم النسائي المغربي الليبرالي قد تأسس منذ العصور الوسطى، دون انتظار ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945 الذي يكرّس مبادئ المساواة بين الجنسين، وبالتالي اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979، فلماذا نحرص على تعميم دروسنا على اليمين واليسار، والعودة إلى لوحة الرسم للتعبير عن مواقف مدفوعة بخلفية سياسية وليس قناعة؟ بدل إزالة المعوقات من الدستور والتمكين من أحكامه؟ وهل سنسرع في إنشاء مؤسسات معادلة؟

#تتعمق #فوتشيتش #في #تاريخ #المرأة #المغربية #العاملة #خارج #المنزل

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات