تم النشر في 8 سبتمبر 2026
|
آخر تحديث: 17:23 (بتوقيت مكة)
أثارت سياسة تسعير الأدوية في المغرب جدلا بين محاولات تخفيف العبء على السكان، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، ومخاوف من أن التخفيضات غير المقصودة في الأسعار يمكن أن تؤدي إلى انخفاض توفر بعض الأدوية وإضعاف الاستقرار المالي لقطاع الأدوية.
ويرى خبراء في المجال أن تغيرات أسعار الأدوية يجب أن تركز أساسا على الأدوية باهظة الثمن، خاصة تلك المستوردة من الخارج، بدلا من خفض أسعار الأدوية منخفضة التكلفة في حدود 10 و15 و20 و50 درهما (الدولار يعادل حوالي 9.3 درهم)، والتي يتم استهلاكها على نطاق واسع في المغرب.
حذرت نقابة صيادلة المغرب من أن اعتماد سياسة عامة لخفض أسعار الأدوية دون السيطرة على التأثير، في وقت تعاني فيه السوق أصلا من نقص في بعض الأدوية، قد يؤدي إلى فقدان العديد من الأصناف واختفاء بعضها الآخر من الصيدليات.
ويرتبط هذا النقص بأن إنتاج بعض الأدوية منخفضة التكلفة لم يعد مربحا للمصنعين، مما دفعهم إلى وقف الإنتاج أو تقليصه.
ويشير الصيادلة إلى أن الأدوية التي لا يتجاوز سعرها 10 أو 20 أو 30 درهماً قد تصبح غير مجدية اقتصادياً بالنسبة للشركات، وهو ما قد ينعكس على توفرها في الأسواق.
كيف يمكننا تحقيق التوازن؟
ويؤكد الخبراء أن إصلاح نظام تسعير الأدوية يحتاج إلى الموازنة بين مصالح الناس وقدرتهم الشرائية والتوازن المالي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وأنظمة التأمين الصحي المختلفة، بالإضافة إلى حماية مصالح الصيادلة وضمان استمرارية المهنة.
ويحذرون من أن تخفيضات أسعار الأدوية تنعكس على هوامش ربح الصيادلة، وبما أن الأسعار مرتبطة بقيمة الأدوية التي يبيعونها، فقد تواجه الصيدليات صعوبات مالية متزايدة إذا استمرت دون معالجة الوضع في القطاع.
ويشير الخبراء إلى أن 30-40% من الصيدليات المغربية تواجه حاليا صعوبات مالية ولا تملك القدرة الكافية على الاستمرار، محذرين من أن الكثير منها قد يغلق أبوابه، على غرار ما شهدته الدول الأوروبية حيث تعاني الصيدليات من ضغوط مالية مماثلة.
ووفقا للبيانات المتداولة، بذلت المملكة المغربية جهودا لخفض أسعار العديد من الأدوية في السنوات الأخيرة، لكن مواطنين وخبراء يقولون إن الأسعار لا تزال مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية للمغاربة وأسعار الأدوية في الدول العربية المجاورة مثل تونس ومصر، وكذلك في بعض الدول الأوروبية.
ويعترفون بأن التخفيض يشمل عدداً كبيراً من الأدوية، لكن الأنواع الأخرى، خاصة تلك المتعلقة بعلاج الأمراض المزمنة، تظل باهظة الثمن، مما يجعل اقتناؤها عبئاً كبيراً على المرضى وعائلاتهم.
تجربة حية
وتتضح خطورة المشكلة من خلال شهادات المواطنين الذين اضطروا للبحث في الخارج للعثور على أو الحصول على أدوية غير متوفرة في الصيدليات المغربية.
وقال أحد المواطنين للجزيرة مباشر إن زوجته تعاني من مرض السرطان، وإنه ظل يبحث عن دواء معين في العديد من الصيدليات لكنه لم يجده. وقال إن الدواء نفسه يكلف حوالي 184 يورو في أوروبا، لكن في المغرب طُلب منه دفع ضعف هذا المبلغ تقريبا، أي حوالي 3000 درهم.
وأكد الجمهور أن ارتفاع أسعار الأدوية لا يقتصر على أدوية السرطان، بل يشمل أيضا الأدوية المرتبطة بالأمراض المزمنة مثل الروماتيزم، والتي يحتاج المرضى إلى تناولها بانتظام دون توقف.
وفي حال عدم توفر الأدوية محلياً، يضطر بعض المرضى إلى طلب الأدوية من أوروبا وانتظار وصولها، وهي عملية قد تستغرق أكثر من أسبوع حتى عندما يحتاج المرضى إلى الأدوية بشكل عاجل، مما يضاعف معاناتهم.
من الذي يقرر أسعار الأدوية؟
ويؤكد الصيادلة أنهم غير مسؤولين عن تحديد أسعار الأدوية، إذ أن وزارة الصحة والمالية هي المسؤولة عن تحديد الأسعار قبل نشرها رسميا في الجريدة الرسمية.
وبموجب نظام التسعير المعتمد، أصبحت الأسعار موحدة في جميع أنحاء المغرب، من طنجة شمالا إلى الرويرة جنوبا، ويقول الخبراء إن الصيادلة، على عكس المهن والأنشطة التجارية الأخرى، لا يملكون القدرة على خفض الأسعار أو رفعها.
ويقر الخبراء بأن الأشخاص الذين ليس لديهم تأمين صحي أو من ذوي الدخل غير الكافي قد يجدون أدوية لا تزيد تكلفتها عن 10 دراهم باهظة الثمن، حيث ترتبط تكلفة العلاج بارتفاع تكاليف المعيشة وضعف القوة الشرائية.
ويرى الخبراء أنه لا يمكن فصل قضية أسعار الأدوية عن مستقبل قطاع الصيدلة ككل، نظرا للحاجة إلى إصلاحات هيكلية جوهرية تأخذ في الاعتبار في الوقت نفسه القوة الشرائية للسكان، واستدامة نظام التأمين الصحي، وتوافر الأدوية، والوضع المالي للصيدليات.
لذلك، وبينما يظل تخفيض تكلفة العلاج مطلبًا أساسيًا للجمهور، وخاصة للأشخاص الذين يعانون من أمراض وحالات مزمنة تتطلب علاجًا مستمرًا ومكلفًا، فإن هناك حاجة متجددة إلى سياسات جديدة لتسعير الأدوية تكون مبنية على دراسات شاملة لفعاليتها، بحيث لا يكون لتخفيضات الأسعار تأثير معاكس بسحب الأدوية من السوق أو إغلاق الصيدليات.
وفي إطار الجهود الرامية إلى خفض تكلفة العلاج الطبي للسكان وتحسين استدامة نظام التأمين الإلزامي ضد الأمراض، وافقت الحكومة المغربية مؤخرا على مشروع مرسوم يهدف إلى مراجعة نظام تسعير الأدوية لتحسين الوصول إلى الأدوية وتخفيف العبء المالي المرتبط بالعلاج.
كما وافق المجلس على إنشاء نظام وطني متكامل للمعلومات الصحية يهدف إلى تسريع رقمنة القطاع الصحي وتطوير تبادل البيانات والمعلومات بين مكوناته المختلفة بما يدعم تحسين الخدمات الصحية وزيادة كفاءة النظام الصحي.
#هل #سيكون #هناك #أي #تأثير #لتسعير #الأدوية #المغربية








