يعرض الجزء الأول من التقرير بالتفصيل الرحلات المحفوفة بالمخاطر التي قام بها المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى عبر الصحراء الكبرى، والابتزاز والاتجار والاحتجاز والتعذيب الذي تعرضوا له في طريقهم إلى شمال أفريقيا. لكن المأساة لم تنته في المغرب، بل بدأت مرحلة جديدة، مع محاولات متكررة للوصول إلى أوروبا، قبل أن يدفع الوضع الحقيقي الكثيرين إلى إعادة النظر في أولوياتهم ومستقبلهم.
بين رغبة العبور وإمكانية الاستقرار
تكشف تجارب المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في المغرب عن حقائق إنسانية معقدة تتجاوز الأرقام والسياسات. إنها قصة تتحرك ذهابًا وإيابًا بين الأمل والمشقة، بين الرغبة في العبور وإمكانية الاستقرار، بين الأحلام الأوروبية وحقائق الحياة في شمال أفريقيا.
وبين هذه المسارات المتقاطعة، تتشكل قصص فردية متعددة، تنيرها شهادات حية، تكشف الجوانب الإنسانية العميقة لظاهرة الهجرة التي أصبحت من أبرز قضايا عصرنا.
يرجى القراءة أيضا“باعونا مقابل لتر بنزين”.. على الطريق إلى الفردوس المفقود: رحلة الألم والبقاء لمهاجر أفريقي 2/1
ويقول كاغوما غوتييه، الشاب الكاميروني، بصوت متألم، إن حلمه في ذلك الوقت كان الوصول إلى أوروبا بأي ثمن، ولم تتوقف المعاناة عندما وصل إلى المغرب. “لقد قمنا بعدة محاولات لعبور الحدود البرية المسيجة وعدة محاولات للهجرة بحرا من طنجة، لكن جميعها باءت بالفشل”.
وأضاف أن الوضع المالي كان صعبا ولم يكن لديه أي دعم واضطر إلى الاعتماد على نفسه بشكل كامل. لقد أنفق كل ما لديه في محاولة عبوره، وبدأ من جديد، مكررًا دورة الفشل والمعاناة التي لا نهاية لها.
“لقد تم بيعي مقابل لتر من البنزين.”
أحمد، شاب سوداني وقع أيضًا ضحية للاتجار بالبشر وشهد موته الوشيك، يتتبع طريق إيج إلى الأهوال التي عاشها أثناء إقامته في ليبيا. “اتصلت السلطات العسكرية الليبية بالشعب التونسي وأخبرتهم أنهم يريدون 10 سودانيين مقابل لتر بنزين. ثم تم نقلنا إلى ليبيا ونقلنا الليبيون إلى سجن يعرف باسم “العسا”، وكان عدد المعتقلين في السجن حوالي 155”.
وأضاف: “تم وضعنا في صفوف وكان هناك حوالي 20 شخصًا في كل صف. وكان الحراس يسألون المعتقلين عن المدة التي قضوها في السجن ولماذا لم تدفع أسرهم الأموال اللازمة لإطلاق سراحهم. وبعد ذلك أطلقوا النار على بعض الأشخاص فقتلوا أمامنا مباشرة”. لقد رأيت بأم عيني 65 شخصًا يُقتلون في السجن. وعندما جاء دوري، توقف إطلاق النار، لكنني لا أعرف إذا كان ذلك بسبب نفاد الذخيرة أو شيء من هذا القبيل. “وهذا سبب آخر”.
وقال أحمد إن إطلاق سراح المعتقلين جاء “مقابل 10 آلاف دينار ليبي (1350 يورو)”. وقال متحدث إن بعضهم “مات في السجن، فيما تمكن آخرون من الفرار”.
واعترف الشاب، وهو في العشرينيات من عمره، بأنه تعرض لتعذيب شديد أثناء اعتقاله، بما في ذلك عشرات الصدمات الكهربائية. “لا يزال جسدي يحمل آثار التعذيب. وأنا أتلقى العلاج في المغرب بسبب الأضرار الجسدية والنفسية”.
بالإضافة إلى ذلك، يعاني أحمد من اكتئاب حاد بسبب ما شاهده. “لقد شاهدت عشرات الأشخاص يقتلون أمام عيني. ولا تزال ذكرى ذلك تؤثر على حياتي اليومية وصحتي العقلية”.
وحتى بعد وصولنا إلى المغرب، يقول: “لقد عوملنا بقسوة، حيث تم إلقاء الكلاب علينا وعضنا. وكان لا بد من نقلنا إلى المستشفى وإعطائنا حقنة داء الكلب. ثم تم نقلنا إلى مدينة بوفافا”.
واعترف أحمد بأن ما ورد في شهادته هو ما رآه وعايشه بنفسه، قائلاً: “أتحمل المسؤولية الكاملة عن دقة ما قلته إلى حد أنني أتذكر الأحداث”.
من أحلام “الجنة الأوروبية” إلى الاستقرار في المغرب
تقليديا، كان يُنظر إلى المغرب على أنه مرحلة مؤقتة على طريق المهاجرين إلى أوروبا، وخاصة إسبانيا، عبر البحر الأبيض المتوسط ومدينتي سبتة ومليلية. إلا أن هذا التصور أصبح أقل دقة في السنوات الأخيرة.
وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن المزيد والمزيد من المهاجرين يقيمون في المغرب لفترات أطول، وأحيانا لعدة سنوات، نتيجة للصعوبات في الوصول إلى أوروبا أو التغييرات في خططهم مع مرور الوقت. ويعكس هذا التغيير الواقع الجديد المتمثل في “الاستقرار غير المخطط له” داخل المغرب.
يرجى القراءة أيضا“فشل عالمي”.. حوالي 8000 شخص سيموتون على طرق الهجرة الخطرة عام 2025
واستذكر السيد كاجوما تصوره السابق لأوروبا، قائلاً إنه يراها “كجنة موعودة”. وقال: “رأيت بنفسي كيف تمكن بعض أصدقائه الذين غادروا الكاميرون عام 2012 من تحسين أوضاعهم وأوضاع أسرهم بعد وصولهم إلى أوروبا، وأثار ذلك نفس الرغبة لديه”.
لكن مع مرور السنين تغيرت وجهات نظره، وذكر أن أوروبا بالنسبة له لم تعد هدفا يمكن تحقيقه بأي ثمن، بل مجرد وجهة للزيارات ومشاهدة المعالم السياحية والإجازات، مؤكدا أنه مع مرور الوقت تغيرت أولوياته وتصوره للحياة.
وبحسب الناشط في مجال حقوق الإنسان عبد العلي الكافي، فإن “المغرب كان في البداية نقطة عبور للمهاجرين الأفارقة من دول جنوب الصحراء الكبرى في طريقهم إلى الجانب الآخر، لكنه مع مرور الوقت أصبح مكانا لاستقرار العديد من المهاجرين. حاليا، قامت بعض المجموعات من هؤلاء المهاجرين بتسوية الوضع القانوني”. وهذا أمر جيد». ومع ذلك، «يجب إبلاغ الجميع في البلاد من قبل السلطات المختصة.» ومن دون الوثائق وبصمات الأصابع وبيانات الهوية، فمن الممكن أن تنشأ مشاكل أمنية كبرى. وصحيح أن “المهاجرين يريدون حياة كريمة، ويريدون الاندماج والعمل”.
الرهان على ريادة الأعمال
واعترف المهاجر الكاميروني بأنه مقتنع بإمكانية تحقيق الكثير في المغرب، خاصة باعتباره حاملا لبطاقة المقاولة الذاتية. “ما ينقصني اليوم هو إطلاق مشاريع خاصة وتوفير الأموال اللازمة لتحقيق طموحاته في مجال ريادة الأعمال”.
“كان راتبي منخفضاً جداً لدرجة أنه لم يكن لدي خيار سوى التسول”.
يعيش العديد من المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى الذين يعيشون في المغرب في ظروف اجتماعية واقتصادية محفوفة بالمخاطر. ويعمل غالبيتهم في القطاع غير الرسمي، ولا تزال فرص العمل الرسمية محدودة.
وفيما يتعلق بملفات الإيواء، يعتمد الكثيرون على السكن الجماعي أو الظروف المعيشية غير المستقرة، خاصة في المدن الكبيرة ذات الكثافة السكانية العالية.
وعلى المستوى المجتمعي، ونظرا للاختلافات في النقاشات العامة حول الهجرة وكذلك الاختلافات الثقافية والاقتصادية الواضحة، فإن تجربة الاندماج تختلف بين حالات التضامن والتعايش مع المجتمعات المحلية وحالات التوتر والتمييز.
ومع ذلك، هناك أيضًا مبادرات للمجتمع المدني تهدف إلى دعم المهاجرين وتعزيز التكامل، لا سيما في مجالات الصحة والتعليم والمساعدة القانونية.
مهاجرون من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يعيشون في مدينة الدار البيضاء المغربية. 2026/06/18 © خاص
وتتذكر كاغوما أنها أثناء وجودها في المغرب قبل تسوية وضعها القانوني، كانت تتقاسم الشقق المزدحمة مع العديد من المهاجرين الذين لا يحملون وثائق إقامة، خاصة في طنجة، حيث كان يعيش في بعض الأحيان ما بين 15 إلى 20 شخصًا في نفس المنزل.
قال كاغوما: “كنت محظوظاً نسبياً للاستفادة من دراستي والحصول على وظائف غير رسمية كمدير مقهى إنترنت ومشرف في علوم المعلومات. ومع ذلك، بسبب الراتب المنخفض، كنت أضطر في كثير من الأحيان إلى التسول ليس فقط لتوفير تكاليف العبور، ولكن أيضًا لتغطية النفقات ودفع الإيجار وإرسال الأموال إلى عائلتي”، قبل أن يضيف: قضيت عدة أشهر هناك دون مأوى، ولكن بفضل مدخراتي القليلة ومعرفتي المتزايدة بالبلد، تمكنت من العثور على مكان للعيش فيه، وإن كان في حالة متداعية. “
وطرح عبد الكافي مسألة توطين المهاجرين في المغرب، وهي القضية التي أثارت الكثير من الجدل حتى يومنا هذا. وقال إنه بفضل عمله المهني “أدركت أن هذه الأنشطة تستهلك قدرا كبيرا من ميزانية الدولة. في الوقت نفسه، يعود العديد من المبعدين من جديد إلى المدن التي غادروها، خاصة في الدار البيضاء ومنطقة الشمال، بحثا عن فرص جديدة والأموال التي يحتاجونها للعودة”.
وهذا يعني أن سياسات النقل المتكررة تستهلك أموالاً عامة كبيرة دون التوصل إلى حلول مستدامة. ولذلك، في رأيه، “قد يكون من الأكثر فعالية استخدام هذه الموارد بطرق أخرى، بما في ذلك توفير المأوى المناسب وتنظيم وجود هؤلاء المهاجرين، لأنهم في نهاية المطاف بشر يستحقون الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية”.
الوضع القانوني للإقامة.. بداية مرحلة جديدة
ومنذ عام 2013، اعتمد المغرب سياسة جديدة للهجرة ذات طابع إنساني، تهدف إلى تنظيم وضعية المهاجرين وتعزيز الاندماج الاجتماعي. وتضمنت السياسة عدة محاور، منها تسوية أوضاع بعض المهاجرين غير النظاميين، وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، وتعزيز النهج الحقوقي في إدارة ملفات الهجرة.
وقد استفاد عدد كبير من المهاجرين من عملية التسوية القانونية في مراحل مختلفة، وتمكن بعضهم من الحصول على وثائق الإقامة والعمل بشكل قانوني.
ومع ذلك، وعلى الرغم من أهميتها، إلا أن هذه السياسات لا تزال تواجه تحديات تتعلق بمحدودية الإدماج الاقتصادي، وصعوبات الاندماج الاجتماعي الكامل، واستمرار وجود مجموعات كبيرة في ظروف غير نظامية.
ويشير كاغوما إلى أن حصوله على الموافقة على تسوية وضعه عام 2017 كان بمثابة نقطة تحول حاسمة في حياته، حيث قرر التخلي تماما عن فكرة الانتقال إلى أوروبا والاستقرار في المغرب.
ثم حصلت على عقد دائم مع مشغل مغربي وعملت هناك لمدة عامين قبل أن أنتقل للعمل في مركز للاتصال الهاتفي. ومع مرور الوقت، تحسن وضعه، ثم شارك هو وأصدقاؤه الآخرون في إنشاء الجمعية. وهذا المشروع يعتبره بداية مرحلة جديدة في حياته.
واختتم السيد كاغوما شهادته بالقول إن الحصول على وثيقة الإقامة كان لحظة خاصة من الفرح والفخر، لأنه على الرغم من أن الوضع الاقتصادي لم يتحسن بنفس الوتيرة، إلا أن وضعه القانوني تغير جذريا وواصل البحث عن فرص عمل تضمن له دخلا أفضل.
وأقر بأن تجربته في المغرب يمكن أن تكون مصدر إلهام للعديد من المهاجرين، مشيرا إلى أنه في حين أن بعض أقرانه لم يدركوا أهمية الحصول على بطاقة الإقامة عندما كانوا بصدد تسوية أوضاعهم، إلا أنه اعتبرها أيضا خطوة ضرورية وأساسية لمن يفكر في الانتقال إلى أوروبا مستقبلا.
#من #معتقل #التهريب #إلى #شوارع #المغرب. #في #الطريق #إلى #الفردوس #المفقود #مهاجر #إفريقي #يتحدث #عما #يحدث #بعد #معبر









