الرئيسيةمجتمعانحراف خطاب الهوية في المغرب

انحراف خطاب الهوية في المغرب

ويرى هيجل أنه عندما تتعارض النظرية مع الواقع، يجب أن تكون للنظرية الأسبقية ويجب تجاهل الواقع. بالطبع هو كاريكاتير، لكن حتى لو كان مخالفاً للحقيقة وبعيداً عن الحقيقة، فإننا في أعماق أفكارنا نتصادم مع من تسود تصوراتهم. وينطبق هذا على جميع خطابات الهوية التي تفضل أن ترتكز على تمثيل الذات والآخرين، حتى عندما يكون الواقع مختلفًا عن التمثيل أو يكون معقدًا وغير قابل للاختزال إلى انقسام أبيض وأسود.

كانت الحياة السياسية الحديثة تدور أساسًا حول قيم العدالة والحرية ودرجة معينة من الكرامة. ومن هذه القيم تم إنتاج الهياكل والمنظمات الأيديولوجية مثل الاشتراكية والليبرالية. ومع ذلك، الهوية ليست قيمة. هذا هو عالم الذاتية. يمكن أن تنغمس خطابات الهوية ومؤيديها في رؤية قائمة على العدالة، تقوم على الحرية الجماعية والفردية، أو الكرامة، لحماية قطاعات المجتمع التي تتعرض حقوقها الثقافية للانتهاك.

وهكذا تمتعت الأقليات بالخصوصية داخل الأحزاب الاشتراكية، وتمكنت المنظمات الاشتراكية في الغالب من قبول مطالب الهوية، وقبلت المنظمات الليبرالية المطالب الثقافية، كما فعلت أوروبا وأمريكا في مؤتمر هلسنكي (1975). لحماية حقوق الإنسان والثقافية (لم يكن مفهوم الهوية صالحاً في ذلك الوقت).

تكتسب خطابات الهوية شرعيتها عندما ترتكز على قيم، سواء كانت العدل أو الحرية أو الكرامة، لكنها تفقد شرعيتها عندما تفتقد العدالة أو الحرية أو الكرامة، أي عندما لا يدافع أصحاب طرح الهوية عن القيم خارج دائرة المجموعة التي يمثلونها ويرفضونها من أجل الآخرين. وهنا يمكن أن نذكر قانون الأحوال الشخصية الإسرائيلي، الذي يشرعن الفصل العنصري فعليا، وقانون إعدام أسرى الحرب الفلسطينيين، الذي يسن قانونا عرفيا يتناقض بشكل واضح مع مقتضيات العدالة.

ولم يعد النشاط السياسي في الغرب وأماكن أخرى يعتمد على القيم، بل على الفعالية ضمن إطار تسميه عالمة الاجتماع البلجيكية شانتال موفي إجماع المركز. وسرعان ما يصبح السلوك السياسي مدفوعا بميول الهوية والسيادة، التي تغذي الشعبوية اليمينية.

لقد شهد خطاب الهوية تحولاً في الغرب وأماكن أخرى، ولم يعد مرتبطاً بالاعتراف والكرامة والحق في الاختلاف. وأعقب ذلك استقطاب سريع ونشأت الكراهية تجاه الغرباء.

وبغض النظر عن جوانبه النظرية والأكاديمية، فإن خطاب الهوية المغربية يشهد اتجاها جديدا يتسم بالتمييز بين الرؤى المختلفة للهوية، من خلال تبادل الكلمات في الفضاء الرقمي، من خلال الاتهامات بالاستعمار والانفصال، فضلا عن الاحتقار والازدراء، الذي عبر عنه المؤلفون مؤخرا في المحافل الدولية، دون تورية أو عبارات ملطفة، محذرين من استخدام الأمازيغية لغرض تحريض إسرائيل على الانفصال. إن أسوأ ما يمكن أن يحدث بالنسبة لخطاب الهوية هو أن يتحول إلى وسيلة أجنبية، وأداة للحركة، ونذير انفصال.

لكن هل صحيح أن الحركة الأمازيغية تتجه نحو الانفصال كما قال كتاب الرأي في الصحف العالمية، وهل الأمازيغية أداة في أيدي أجنبية؟ وإذا ثبت ذلك، فلا ينبغي للسلطات أن تتغاضى عن المشكلة أو تتجاهل مرتكبيها، بل يجب أن تقف في وجههم بحزم وتهاجم دون تمييز أيادي من يخدم قضيتها في جيوب الدول الأجنبية. ولا ينبغي إخفاء ذلك أو التسامح معه. وللناطقين بالأمازيغية حقوق على غيرهم من المتحدثين غير الأمازيغ فيما يتعلق بالمواضيع الأجنبية، مثل التمتع بالجنسية الأجنبية أو ممارسة المسؤولية العامة.

والحجة التي يسوقها أولئك الذين يروجون للادعاءات الانفصالية للمتحدثين الأمازيغية هي مصالح إسرائيل في الحركة الأمازيغية. ولا جديد في هذه القضية، ففرنسا، مثل إسبانيا والولايات المتحدة وهولندا، تهتم أيضاً باللغة الأمازيغية لعدة أسباب.

هل لدى إسرائيل، كغيرها من الدول الأوروبية، مراكز أبحاث تدرس وتدرس اللغة الأمازيغية، مما يجعل اللغة الأمازيغية، وحاملي الثقافة الأمازيغية، والناطقين بها موضع شبهة، ووسيلة تشغيل، وأداة انفصال؟

وهذا اتهام خطير، وليس هناك ما هو أسوأ بالنسبة لمنظمة أو فرد بشكل عام من أن يصبح أداة تجنيد أو وسيلة للانشقاق من قبل قوة أجنبية. فهل يكفي تبرير الاتهام بأن الشخص الآخر مهتم بالثقافة الأمازيغية وإصدار حكم عام على الأمازيغية؟ ألسنا هنا في دائرة من المنطق الأرسطي المعكوس، مع افتراضات غير مبالية مثل «سقراط له عينان، لقطة لها عينان، إذن سقراط قطة»؟

من الظلم والانحراف الشديد أن ننظر إلى أمازيغ المغرب من خلال وجهات النظر القائمة والتعبيرات المرتجلة. لأن الأمازيغية، أو الناطقين بها، منتشرون فكريا وسياسيا. ومنهم الإسلاميون والمعتدلون والمتطرفون، ومنهم القوميون العرب، ومنهم من يرتبط بالشرق، ومنهم من ينجذب إلى الغرب… وبالطبع منهم من لديه رؤية علمانية، وهذه الرؤية تختلف عن أصحاب هذا الطرح. الموضوعيون العلميون، والناشطون، الذين يمارسون الرؤى الجاهزة.

فهل تقتصر علاقة المغرب بإسرائيل على الناطقين بالأمازيغية؟ يقوم العديد من المتحدثين غير الأمازيغية في المغرب بالحج إلى إسرائيل والتعاطف معها. ولا حرج على المثقفين الأمازيغ الذين دافعوا عن فلسطين والشعب الفلسطيني لاعتبارات إنسانية، والذين واجهوا حرب الإبادة التي تعانيها غزة بكتاباتهم وآرائهم وآرائهم.

ليست هناك حاجة لإثبات شعبيتها بين الناطقين بالأمازيغية. ويكفي أن نذكر ما فعله الشعب الأمازيغي المغربي الهولندي من منطقة الريف عندما اشتدت جماهير فريق مكابي الإسرائيلي وبدأت ترديد شعارات مهينة ضد العرب، وأن الشعب الأمازيغي الهولندي يفتخر بالدفاع والظفر بحقوق شعب تعرض شعبه للذبح والتنكيل وتدمير منازلهم وتدمير ممتلكاتهم.

إذن، لا شيء أكثر زيفاً من الادعاء بأن المتحدثين الأمازيغ موالين عموماً لإسرائيل، ومناهضين للعرب، والإسلام، ولا شيء أكثر كذباً من الادعاء بأن المتحدثين باللغة العربية في المغرب هم “الأوصياء الوحيدون على الحمى”، مع احتكارهم الوحيد للوطنية وإقرار ما ينبغي وما لا ينبغي القيام به.

كل التطرف عنيف، وكل تطرف يمكن أن يغذي التطرف المضاد. لا يوجد مجتمع خالي من النزعات المتطرفة، وعلينا أن نتوقف حيث يبدأ التطرف. وفي كل الأحوال لا يمكن الاعتماد على حقيقة الوضع. لأن العنف اللفظي يأتي مع إحساس حارق. إننا نواجه نقطة تحول في خطاب الهوية المغربية، وهناك حاجة إلى مقاربات جديدة.

وتشمل معالجة الهوية الاعتراف القانوني في النصوص الأساسية، وإنشاء مؤسسات تعنى بالقضايا الثقافية الفرعية ورعايتها، سواء كانت محاصصة أو تمييزا إيجابيا، والتمثيل على المستوى الحكومي أو الإداري، والفيض بالاستقلالية في إدارة القضايا. موزعة على عدة مستويات، بما في ذلك التمتع المحلي بهوية فريدة… كل هذا لا يطرح مشكلة، بل تنشأ مشكلة عندما يرتبط كل خطاب بما يسميه الألمان النظرة العالمية، أو تصور الذات والآخرين.

من المستحيل أن يكون للموارنة والشيعة اللبنانيين من نفس البلد وجهات نظر واحدة حول تاريخ لبنان، ذاته والآخر، وكذلك الحال في المغرب. ومن المستحيل أن يكون للمثقفين الأمازيغ نفس آراء المثقفين الناطقين بالعربية، من القوميين العرب أو الإسلاميين إلى تاريخ شمال إفريقيا وتاريخ الذات والآخر.

لكن يمكن إدارة هذا الاختلاف من خلال التمسك بالقيم المتعلقة بالسلوك السياسي، وهي أن خطاب هويتي يجب ألا يتعارض مع التوزيع العادل لرموز وأسباب الحقوق والعدالة، من ناحية، ومن ناحية أخرى، أن يسود المنظور الموضوعي عند التعامل مع المشاكل الاجتماعية، بما في ذلك التاريخ، وأن تكون المواطنة الإطار لمجتمع بمختلف مكوناته وأطيافه.

المشكلة هي أن خطاب الهوية منفصل عن مبدأي القيمة التوأم، الحقيقة والعدالة، ويرفض مقولة التوزيع العادل للرموز. يتحدث عن التاريخ وقضايا المجتمع في مجالات مثل البحث العلمي والتاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وما لا أعرف من قبل هواة يستخدمون مساحة وسائل التواصل الاجتماعي لإلقاء خطابات حادة وضحلة، لكن من غير المعروف إذا كان لديهم أي مساهمة علمية غير الإثارة لما يدعون أنهم يقولونه. إنهم ليسوا سوى نشطاء، نشطاء يتنكرون في هيئة مثقفين.

إن اتهام الناطقين بالأمازيغ بالانفصالية والاستعمار، ولو عبر الاستجواب، لا يدخل في نطاق حرية الرأي والحق في التعبير، بل يخلق حالة من الفوضى تزيد من الخوف لدى من ينظر إلى الأمور عن بعد، ويجهل حقيقة الوضع، ويصدق ما يقوله المغرضون.

وأتذكر هنا مقطعاً من قصيدة قديمة لنصر بن يسار كنت أتلوها منذ 30 عاماً. يبدأ:

ومن خلال الرماد أرى وميض نار على وشك الاشتعال.

الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

#انحراف #خطاب #الهوية #في #المغرب

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات