مصدر الصورة, صور جيتي
من أزقة برونكس إلى الفصول الدراسية في المغرب، يأخذ فن الهيب هوب رحلة غير متوقعة وسط جدل واسع النطاق بين أولئك الذين يرون الهيب هوب كخطوة نحو مدارس أكثر انفتاحا وأولئك الذين يرون أنه هجوم على الهوية التعليمية المتآكلة بالفعل.
أثار تسريب وثائق من وزارة التربية الوطنية المغربية بشأن إقامة دورات “الهيب هوب” و”البريكينج” لأساتذة التربية البدنية، عاصفة من الجدل لم تهدأ بعد.
وبينما قدمت الوزارة المبادرة كوسيلة لتنويع المناهج التعليمية وتحديث الرياضة المدرسية، رأى آخرون أنها مجرد تعبير عن المزيد من الانفصال عن الخلفية الثقافية للمغرب.
وثائق مسربة
مصدر الصورة, فيسبوك
بدأ الأمر بتوزيع كتاب رسمي من مديرية تشجيع الرياضة المدرسية، يدعو مدراء الأكاديميات المحلية لترشيح أساتذة للمشاركة في دورات تدريبية يشرف عليها خبراء عالميون في موسيقى الهيب هوب.
وسرعان ما انتشرت المذكرة على وسائل التواصل الاجتماعي وأصبحت مسألة رأي عام.
وبحسب الوثيقة، تهدف الوزارة إلى تكوين مدربين في فن التمرينات واللياقة البدنية بالمنطقة في إطار اتفاقية شراكة مع “الجامعة الملكية المغربية (الرياضات الخارجية واللياقة البدنية والهيب هوب)”.
لكن الكثيرين يتساءلون عما إذا كانت موسيقى الهيب هوب تمثل أولوية تعليمية في بلد تعاني المدارس العامة فيه من مشاكل بنيوية مزمنة.
ومن أبرز المعارضين، الباحث المغربي إدريس الكمبري، الذي وصف القرار بـ “الغريب” لأنه، في رأيه، “يتجاهل العناصر الثقافية التي كرّسها دستور 2011، بما فيها العربية والأمازيغية والصحراوية والأندلسية والعبرية والإفريقية”.
وقال لبي بي سي عربي: “الوزارة قفزت على كل هذه الهويات واستقدمت رقصات من الغرب الأمريكي، وكأن الثقافة المحلية غير موجودة أو أن الدستور مجرد زخرفة تجميلية”.
ويربط الكمبري هذا القرار بانعدام الرؤية الواضحة في سياسة التعليم بالمغرب، مشيرا إلى أن “المدارس المغربية عانت في ظل برامج الإصلاح المتعاقبة منذ الاستقلال، والتي لم تؤد إلا إلى انخفاض الإنتاجية وزيادة الفوضى”.
ويرى أن التعليم “لا يعني إشباع رغبات الطلاب، بل وسيلة لتشكيل تلك الرغبات وصقلها”، محذرا من أن المدارس إذا اتبعت الاتجاهات تصبح امتدادا للشوارع.
في حين يرى المؤيدون للمبادرة أنها تعكس انفتاحا صحيا على ثقافات العالم وتهدف إلى مخاطبة الجيل الرقمي بلغته، خاصة وأن موسيقى الهيب هوب أصبحت جزءا من المشهد الفني العالمي منذ انتقالها من قاعة مدينة نيويورك لتصبح موضوعا للمهرجانات والمسابقات الرياضية الدولية.
لكن الكمبري رد بأن هذا الفن «لا علاقة له بالمفاهيم الثقافية بالمعنى الأنثروبولوجي»، واصفا إياه بـ«الموضة» المؤقتة. ويقارنها بالفن المغربي القديم مثل “المرهون” و”العيطة” و”الغناوة”، ويعتقد أن هذه الفنون تستحق التدريس أكثر من حيث جذورها وهويتها ورسالتها التي تربط الماضي بالحاضر.
“ملحون يغني الشعر الذي يسجل التغيير الاجتماعي، العيطة هي صرخة شعب في وجه الظلم، في حين الكناوة هو فن روحي من المناطق النائية الأفريقية. هذه الفنون لا تحتاج إلى استيراد، بل تحتاج إلى دمجها وتحديثها في مناهجنا الدراسية.”
إلى أين تتجه وزارة الخارجية؟
مصدر الصورة, صور جيتي
في حين قال عبد السلام ميري، مدير ترقية الرياضة المدرسية بوزارة التربية الوطنية والتعليم الابتدائي والرياضة، في مقابلة مع بي بي سي عربي، إن فكرة تنظيم الدورة جاءت نتيجة التعاون بين الوزارة والجامعة الملكية المغربية منذ عام 1996. وأوضح أن هذه الدورة جاءت نتيجة لاتفاقية شراكة في مجال الرياضة (بما في ذلك أنشطة الحركة الإيقاعية مثل التمارين الرياضية والرقص التعبيري)، والرشاقة البدنية والهيب هوب، وتم اقتراح تنظيم هذا التكوين بالتعاون مع خبراء دوليين. وبالنسبة للرياضات الأخرى، شمل هذا الموسم كرة القدم. لعبة الطاولة والسباحة وكرة الريشة والتوجيه.
وتتضمن الدورة موضوعات فنية وتربوية ووساطية، مما يتيح للأساتذة توجيه الطلاب وفق معايير مهنية، خاصة وأن البطولات الوطنية للهيب هوب والبريكينج أقيمت في الموسمين الماضيين.
وقال إن “هذه المبادرة تتم فعليا خارج المؤسسات التربوية، لكن في إطار الانفتاح على الرياضات الحديثة التي تهم التلاميذ”، موضحا أن الهدف هو دمج الرياضة في العروض الرياضية المدرسية المنظمة والمهيكلة، دون أن تحل محل التربية البدنية الرسمية.
وأضاف ميري أن هذه الأنشطة تندرج ضمن الاتحاد الرياضي المدرسي وليست جزءا من فصول التربية البدنية الإجبارية، ولكنها أنشطة يمكن اختيارها بجانبها. وشدد على ضرورة تطوير مشرفين محترفين وإيجاد أشخاص موهوبين يمكنهم تمثيل المغرب، حيث ستصبح رياضة كسر السرعة رياضة أولمبية اعتبارا من 2018 وستكون جزءا من ألعاب باريس 2024 وأولمبياد دكار للشباب 2026.
وفيما يتعلق باختيار الأساتذة، أوضح أنهم استهدفوا ممثلين عن كل أكاديمية منخرطين فعليا في الرياضة المدرسية وأظهروا اهتماما بالرياضة المستهدفة، مع الالتزام بنشر الخبرة المكتسبة في جميع أنحاء المملكة المغربية.
وفيما يتعلق بالتحفظات التي أبداها بعض الفاعلين، اعتبر ميلي ذلك “رد فعل طبيعي”، وأوضح أن العديد من الرياضات الحديثة بدأت كأنشطة وسلوكيات يمارسها الشباب بشكل عفوي خارج إطار مؤسسي منظم، ثم تطورت إلى أنشطة منظمة تنطوي على القوانين والتسجيل وتقنيات التحكيم. وأضاف أن المدارس لا تقضي على هذه الظواهر، بل تعيد تشكيلها تربويا فيما يعرف في العلوم التربوية بـ “النقل التربوي”، وتحويل السلوكيات الاجتماعية السائدة إلى ممارسات تربوية متميزة.
وبخصوص الفنون التقليدية المغربية، أشار ميلي إلى أن الألعاب التقليدية تشكل أحد عناصر التربية البدنية ويمكن إدراجها في الخطط التربوية المعتمدة. كما يتم إعداد برامج لإحياء هذا التراث من خلال المهرجانات والمسابقات الثقافية الوطنية.
واختتم السيد ميلي تصريحه بالتأكيد على أن “هذا النوع من التكوين لا يخرج عن أولويات المدارس المغربية، بل هو وسيلة لتوسيع العرض الرياضي وتحقيق الديمقراطية واكتشاف المواهب في إطار تطوعي لا يخضع للتعميم أو الإكراه، بل يهدف إلى تمكين التلاميذ من ممارسة أنشطتهم في فضاء مراقب وآمن”.
كيف وصل الهيب هوب إلى العالم العربي؟
مصدر الصورة, صور جيتي
ولدت موسيقى الهيب هوب في برونكس بنيويورك في السبعينيات في جو من العزلة والفقر والعنصرية. كانت في جوهرها حركة احتجاجية ثقافية مكونة من أربعة عناصر: الراب، والرقص البريك دانس، وفن الجرافيتي، وموسيقى الدي جي.
ومع تطور وسائل الإعلام وانتشار الإنترنت، انتشرت موسيقى الهيب هوب في جميع أنحاء العالم. وفي العالم العربي، بدأت الكلمة بالظهور مع بداية القرن الجديد، أولا في المغرب وتونس ولبنان، حيث اعتمدتها مجموعات شبابية كأداة للتعبير عن الإقصاء والبطالة والسيطرة الاجتماعية.
وفي المغرب، ظهر مشاهير مثل “مسلم” و”ديزي دروز”، حيث قدموا أعمالا جمعت بين إيقاعات الهيب هوب وقضايا الشارع المغربي. ومع مرور الوقت، بدأت بعض المؤسسات العامة في الاستجابة لهذه الظاهرة من خلال دعم المهرجانات وورش العمل التدريبية.
وعلى الرغم من أن هذا الفن يحظى بجمهور واسع، إلا أنه لا يزال يُنظر إليه بحذر شديد، خاصة في الأوساط التعليمية، بسبب رموز التمرد والمحتوى المرتبط به أحيانًا والذي لا يمكن التحكم فيه.
توضح هذه القضية صراعًا أوسع بين رؤيتين لمستقبل المدارس. الأول يرى أن المدارس بحاجة إلى مواكبة التغير الاجتماعي والثقافي وتحديث أدواتها، والثاني يحذر من أن هذا التحديث يجب ألا يأتي على حساب الهوية الثقافية والخصوصية.
وبدلا من الاعتماد على الهيب هوب، يقترح الكمبري أن تتبنى المدارس أولا هذا التقليد من خلال دعم الأندية الثقافية، وتطوير برامج الشعر والموسيقى المحلية، وتنظيم مسابقات للفن المغربي الذي يعاني من التهميش.
#الهيب #هوب #من #أزقة #نيويورك #إلى #المدارس #المغربية #بي #بي #سي #نيوز #العربية









