الرئيسيةمجتمعأي المغرب تريد؟

أي المغرب تريد؟

لست مهتماً حقاً بمن سيأخذ زمام المبادرة في الانتخابات البرلمانية المقبلة أو الحزب الذي سيفوز بأكبر عدد من المقاعد. إن أكثر ما يقلقني هو السؤال الذي يبدو، في تقديري، أكثر أهمية. فهل ستكون انتخابات 2026 مختلفة فعلا عن الانتخابات السابقة، أم أنها ستكون إعادة للمشهد نفسه بأسماء ووجوه وتحالفات جديدة، ولكن بنفس التوجهات السياسية التي سادت منذ سنوات؟

قد يبدو هذا السؤال يحمل في طياته شيئا من السلبية، وربما التشاؤم، بل وربما يراه البعض مقياسا للمازوخية السياسية. لكنها ليست بهذا القبيح. إن المشاحنات والتدافع والمنافسة التي شهدتها قاعات الحزب لبعض الوقت، والتي أصبحت شخصية بشكل متزايد مع اقتراب يوم الانتخابات، هي دليل على أن درجة من السيولة والمنافسة لا تزال موجودة، حتى مع تضاؤل ​​بعض أساليب عملها. وفي نهاية المطاف، فالمسألة ليست في وجود الصراع، بل في محتوى الصراع وأنواع القضايا التي تدور حوله.

وربما لا ينبغي المبالغة في الاعتقاد بأن تدني مستوى الخطاب الانتخابي هو ظاهرة مغربية. وفي العديد من الديمقراطيات، أصبحت السياسة مدفوعة بمنطق الصورة، والإثارة، والاستقطاب، وأصبحت الحملات الانتخابية في بعض الأحيان أقرب إلى خلق المشهد من بناء المناقشة العامة. لقد تغيرت أدوات الاتصال السياسي، وتغيرت معها إيقاعات المنافسة. البيانات السريعة التي تتطلب ردودًا أسرع، والمقاطع القصيرة التي لها تأثير أكبر من البرامج الأطول، والأسماء والأحداث والزلات التي يمكن أن تهيمن على المناقشة أكثر من القضايا الاقتصادية أو التعليمية أو الصحية.

وبالتالي، فإن المشكلة ليست في أن السياسة أصبحت مجرد مشهد. لقد كانت السياسة دائمًا مسرحًا للرموز والمنافسة والصراع. تبدأ المشكلة عندما تصبح السياسة مستهلكة للمشهد، وعندما تحل المنافسة على الناس محل المنافسة بين الأفكار، وعندما تحل الخلافات حول المواقع محل الخلافات حول السياسة.

بين قواعد الفيفا، وإشعارات البدو، وحسابات الانتقال من حزب إلى آخر، ودرجات متفاوتة من القيل والقال بين الخصوم، وخطاب الإرهاب والإغراء، والتصورات المسبقة حول التحالفات المبهمة، قد يجد المواطنون التشويق كل يوم، لكنهم لا يجدون بالضرورة أجوبة لأسئلة تهمهم بشكل مباشر: ما الذي سيتغير في حياتهم بعد الانتخابات؟

وهنا، في رأيي، المشكلة الأكبر.

فالانتخابات ليست مجرد وسيلة لاختيار أغلبية أو حكومة، بل هي لحظة يعيد فيها المجتمع موازنة أسئلته وأولوياته، وحيث تقدم الأحزاب السياسية وجهة نظر للواقع قبل تقديم الوعود للمستقبل. لذلك، لا يكفي أن يخبرنا الطرفان بما يريدون القيام به. عليها أولا أن تقنعنا بأنها تفهم ما الذي تغير في المجتمع المغربي، وما ينتظره الناس، وما الذي يخيفهم، وما الذي يمنحهم الأمل، وما الذي يجعل البعض يفقد الثقة في السياسة في المقام الأول.

وهنا يجب أن نلاحظ خطأ آخر. يتعلق الأمر بالاعتقاد بأننا نعرف احتياجات الناس بشكل أفضل مما يعرفونه.

لا يعيش الإنسان على الخبز وحده، كما لا يعيش على الترفيه وحده. وبينما قد نعتقد أن الأسر ذات الدخل المحدود يجب أن تفكر فقط في الغذاء والمأوى والعمل، قد نعتقد أيضًا أن ملعبًا لأطفالنا، أو حديقة حي، أو مركزًا ثقافيًا أو شبابيًا، أو مكانًا لائقًا للعبادة، أو وسائل نقل تحفظ كرامتنا، كلها أجزاء من الحياة التي نريدها. وفي حين قد يعتبر الخبراء بعض هذه المطالب بمثابة احتياجات “ثانوية”، فإن المواطنين يعتبرونها جزءًا مهمًا من نوعية حياتهم وشعورهم بالانتماء والكرامة.

وهذه إحدى سمات السياسة التي كثيرا ما نتجاهلها. إن مهمة السياسة هي فهم الاحتياجات، وليس تلبيتها فقط. إن دور السياسيين لا يتمثل في أن يقرروا للشعب ما الذي ينبغي أن يكون له الأولوية من مناصبهم، بل أن يكون لديهم القدرة على الاستماع إلى الناس وتحويل مطالبهم المتنوعة، وأحيانا تناقضاتهم، إلى خيارات مشتركة وقابلة للتنفيذ.

وينطبق الشيء نفسه على الفساد. يعد الفساد أحد أهم المواضيع الساخنة في النقاش السياسي، ومن أصعب المواضيع التي يصعب اختزالها في شعار. إن مكافحة الفساد لا تعني فقط ملاحقة الفساد ومعاقبته عند الضرورة؛ بل يتعين علينا أن نطرح أسئلة أصعب حول الأسباب التي تؤدي إلى الفساد في المقام الأول.

فإذا كانت بعض الإجراءات تخلق فرصاً للفساد، وبعض أشكال الاحتكار تعزز الفساد، وضعف الشفافية يسمح بالفساد، والتعقيد الإداري يوفر بيئة للفساد، وغياب المساءلة يحمي الفساد، فإن تغيير الأشخاص لن يكون كافياً. وحتى لو حاربنا شخصًا فاسدًا اليوم، فقد يظهر فاسد آخر من نفس البيئة غدًا. ومن ثم فإن الإصلاح الحقيقي لا يسعى إلى مكافحة عواقب الفساد فحسب، بل يسعى أيضاً إلى استنفاد شروط إنتاجه وإعادة إنتاجه، فضلاً عن وسائل تمويله المتعددة الأوجه.

ولكن هناك أسئلة أخرى أكثر حساسية ويجب أن تكون في قلب المناقشات الانتخابية المستقبلية. لماذا يوجد في بعض الأحيان انفصال بين حجم جهود التنمية التي تبذلها دولة ما ومقدار التحسن الذي يراه مواطنوها في حياتهم اليومية؟

ولا يمكن إنكار التحول الذي شهده المغرب في البنية التحتية والاستثمارات والصناعة والطرق والموانئ والطاقة والمعدات والمشاريع الكبرى. لكن المواطن لا يقيم التنمية إلا بعدد الكيلومترات المبنية، وحجم الاستثمارات المعلنة، أو ترتيب الاقتصاد في المؤشرات الدولية. كما أنه يقيمها من خلال أسئلة أبسط وأصعب. “ما الذي تغير من وجهة نظر المواطن؟”

هل تحسن دخله؟ هل تحسن تعليم أبنائه؟ فهل سيتمكن من تلقي العلاج بكرامة؟ هل انخفض العبء السكني؟ هل سيتمكن ابني من العثور على وظيفة تناسب أسلوب مكياجه؟ هل يعيش في منطقة توفر الحد الأدنى من جودة الحياة؟ هل تعتقدين أن تقدمه في المجتمع يعتمد على جهوده وقدراته أكثر من منصبه أو علاقاته؟

إن أخطر فجوة يمكن أن تواجهها أي تجربة تنموية ليست بالضرورة عدم الإنجاز، بل الفجوة بين تحقيق الهدف والإنجاز الاجتماعي. وقد تتحسن المؤشرات الاقتصادية، ولكن تصورات الضمان الاجتماعي قد لا تتحسن على الفور، وقد تتوسع البنية التحتية في حين تشعر بعض شرائح المجتمع أن فرص التقدم لم تتوسع بنفس القدر.

وبالتالي فإن الأسئلة المتعلقة بانتخابات 2026 هي أوسع من الأسئلة المتعلقة بالأغلبيات المستقبلية. العالم نفسه يتغير بسرعة. وهي عبارة عن تحولات اقتصادية وتكنولوجية عميقة، والذكاء الاصطناعي الذي يعيد تشكيل أسواق العمل، والاضطرابات الجيوسياسية، وزيادة الضغوط على الطبقة المتوسطة، وتغيير التركيبة السكانية والقيم، وارتفاع التوقعات بين الأجيال التي تقارن حياتها باستمرار بما تراه في المجتمعات الأخرى.

ماذا أعددت الأحزاب السياسية المغربية لهذا العالم الجديد؟

هل لديك رؤية للمغرب للسنوات العشر القادمة أم مجرد برنامج للسنوات القليلة القادمة من ولايتك؟ ليس فقط كيف نوزع الثروة، ولكن كيف نصنع الثروة؟ كيف يمكننا حماية الفئات الضعيفة دون جعل الضعف حالة دائمة؟ كيف نستعيد الثقة في المدارس الحكومية؟ كيف ستتعامل مع التحول الذي يجلبه الذكاء الاصطناعي إلى العمل والتعليم والإدارة؟ كيف ستقوي الطبقة الوسطى؟ كيف يمكننا أن نجعل الشباب ينظرون إلى المشاركة السياسية كأداة للتأثير على مستقبلهم، وليس مجرد تعيين منتخب كل بضع سنوات؟

في رأيي، هذه مسابقة تستحق المشاهدة.

لا أريد أن يتوقف الطرفان عن الاختلاف. الاختلاف هو جوهر السياسة. أنا لا أطلب منها خطابًا غير تصادمي. فالسياسة التي لا تتعارض فيها المصالح والرؤى ليست سياسة على الإطلاق. إن ما نحتاج إليه الآن هو أن ننتقل من صراع الناس إلى صراع الأفكار، ومن التنافس على المناصب إلى التنافس على الحلول، ومن تعداد الإنجازات والإخفاقات إلى تفسيرها وقياس أثرها، ومن الوعود العامة إلى وعود يستطيع المواطن أن يعود إليها في خمس سنوات ويتساءل: ماذا أنجز؟

عندها فقط قد تصبح انتخابات 2026 أكثر من مجرد منافسة لمعرفة من يصل إلى هناك أولاً.

السؤال الحقيقي ليس من سيفوز.

بل من يستطيع أن يفهم المغرب الذي يتشكل أمام أعيننا؟ من لديه رؤية مقنعة لما ينبغي أن يكون؟ من يستطيع أن يثبت للجمهور أن المسافة بين التطور المعلن بالأرقام وبين التطور الفعلي الذي يعيشه الناس يمكن أن تقترب؟

ولعل السؤال الأهم هو: هل ستعيد انتخابات 2026 رغبة الجمهور في التساؤل عما يمكن أن تفعله الأحزاب السياسية لهم، بدلا من الاكتفاء بمراقبة ما يفعله كل منهم؟

مجرد سؤال.

لكن الخطر لا يكمن في محتوى هذه الأسئلة أو جديتها، ولا حتى في طريقة طرحها. الخطر الحقيقي هو أن يتم سحب السؤال نفسه من الرأي العام وأن يستقيل.

ويكمن الخطر في أن يتوقف الجمهور عن طرح الأسئلة لأنهم لم يعودوا ينتظرون الإجابات، وأن الشباب سوف ينسحبون تدريجياً من الحياة العامة، ليس بالضرورة لأنهم يحتجون عليها، بل لأنهم غير مبالين بها. ترك التنظيمات والأحزاب السياسية وقنوات المشاركة التقليدية والسفر إلى الفضاءات الزرقاء بحثاً عن المناظرات والقضايا والانتماءات ومصادر التأثير.

وبهذه الطريقة، لن يكون هناك مشكلة بالنسبة للشباب أن يختلفوا مع رئيس الوزراء، أو ينتقدوه، أو يرفضوا سياساته. هذه هي السياسة بمعناها الطبيعي. المشكلة هي أن جيلاً ينشأ لا يهتم حتى بمعرفة من هو رئيس الوزراء، ولا يرى أن معرفته أو السياسات التي يمثلها لها صلة بحياتهم أو مستقبلهم.

والفجوة الأكثر خطورة ليست تلك التي تفصل الناس عن الأحزاب السياسية أو الحكومات، بل هي تلك التي يمكن أن تفصل أجيالا بأكملها عن فكرة الشؤون العامة ذاتها.

وبهذه الطريقة، لن يكون هناك أي شك حول من سيفوز في انتخابات عام 2026.

في الواقع، السؤال الذي يثير فضولك أكثر هو: “ما فائدته على أي حال؟”

– أستاذ زائر بالقنيطرة بكلية الحقوق والسياسة

#أي #المغرب #تريد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات