الرئيسيةسياسةسياسة المخدرات المغربية

سياسة المخدرات المغربية

لماذا نبدأ بالمدن؟

ولم يعد تعاطي المخدرات مجرد مشكلة إجرامية يمكن اختزالها في منطق الوقاية والعقاب. بل هي قضية معقدة تتداخل فيها الأبعاد الصحية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية. لذا، فإن التعامل مع هذه الظاهرة لا بد من اعتماد مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار محدداتها المختلفة، بدلاً من الاقتصار على الجوانب الزجرية التي ظلت سائدة منذ عقود، على الرغم من فعاليتها المحدودة في الحد من الطلب على الأدوية.

ولا يعد هذا التصور واقعا في المغرب فحسب، بل شكل منذ فترة طويلة أساس السياسة العامة في العديد من البلدان حول العالم، استنادا إلى افتراض أن انخفاض الطلب يؤدي تلقائيا إلى انخفاض العرض. لكن الواقع عكس ذلك تماما، حيث أثبتت شبكات الجريمة المنظمة تزايد نفوذها وتوسع أنشطتها العابرة للحدود الوطنية، مستفيدة من الأزمات والتغيرات التي يشهدها العالم.

وفي هذا السياق، يوضح تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2025، أن العالم يعيش مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، مما يؤدي إلى تفاقم التحديات المرتبطة بمعالجة مشكلة المخدرات، وتمكين جماعات الجريمة المنظمة من توسيع نفوذها، ودفع تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية إلى مستويات قياسية. كما أكد التقرير أن هذه الفئات تظل قادرة على التكيف بشكل كبير، مستفيدة من الأزمات العالمية وتستهدف الفئات الأكثر ضعفا.

إن المغرب ليس محصنا ضد هذا الوضع الدولي. شهدت السنوات الأخيرة تغيرات كبيرة في أنواع المواد المستهلكة وأنماط استخدامها. وبعد أن تركز الاستهلاك في المقام الأول على الحشيش الهندي ومشتقاته التقليدية، ظهرت أنماط جديدة تتعلق بالتدخين وحقن الهيروين، إلى جانب انتشار الكوكايين ومشتقاته (مثل “البوفا”) في العديد من المدن الكبرى، بما في ذلك طنجة، والدار البيضاء، والناظور، ومراكش. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن الوضع غير المستقر في منطقة الساحل والتغيرات الناتجة في طرق التهريب الدولية تساهم في انتشار المرض.

ولا تقتصر آثار تعاطي المخدرات على الجوانب الصحية المرتبطة بالإدمان، ولكنها تمتد أيضًا إلى مخاطر صحية أخرى، مثل زيادة احتمال الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية بين الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات عن طريق الحقن. ونظرا للعلاقة المتبادلة بين تعاطي المخدرات وتفاقم حالات الضعف والفقر، فإن لهذه الظاهرة آثار اجتماعية واقتصادية كبيرة.

على المستوى الجنائي، للأوامر القضائية تأثير واضح على نظام السجون. وبحسب تقرير النيابة العامة حول البيانات الإحصائية حول الظواهر الإجرامية لعام 2023، فقد بلغ عدد الملاحقين في قضايا مخدرات تتعلق بالتعاطي غير المشروع 100559، كما بلغ عدد القضايا المسجلة في نفس العام 80763 قضية. كما زاد عدد تحقيقات المتابعة المتعلقة بتعاطي المخدرات غير المشروعة بنسبة 6.9 في المائة من عام 2022 إلى عام 2023.

وتكشف هذه الأرقام عن مؤشرين أساسيين. أولاً، يستمر استهلاك المخدرات في الارتفاع على الرغم من استمرار الأساليب العقابية، وثانياً، لا تحقق الأساليب العقابية وحدها هدفي الوقاية وخفض الطلب.

وبالنظر إلى هذه البيانات، هناك حاجة للبحث عن إجابات أكثر واقعية وفعالية تعالج الحقائق المتغيرة لتعاطي المخدرات في المغرب. تتضمن بعض هذه الإجابات النظر في سياسة المخدرات الإقليمية بناءً على خصائص المدينة والإقليم، مع مراعاة الخصائص الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية الفريدة لكل منطقة، وأنماط التعاطي الفريدة.

ومن المرجح أن تشهد المدن الكبرى مثل طنجة والدار البيضاء والناظور ومراكش المزيد من التوسع الحضري والكثافة السكانية في السنوات المقبلة، نظرا لاستمرار بعض نقاط الضعف الاجتماعية، مما قد يوفر بيئة مواتية لنمو الجريمة المنظمة المتعلقة بالاتجار بالمخدرات. ولذلك، فإن دمج قضايا المخدرات في تخطيط التنمية الإقليمية سيمكن من تطوير تدخلات أكثر دقة وفعالية لمعالجة المخاطر الصحية والاجتماعية والأمنية الإقليمية.

وفي هذا السياق، ونظرًا للخبرة الميدانية وقرب وزارة الصحة والحماية الاجتماعية والمجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني من الفئات المستهدفة، ومعرفتهم بأنماط الاستهلاك وطرق التدخل المناسبة، يبدو أن هناك حاجة ملحة لتعزيز الشراكات والتعاون بين منظمات المجتمع المدني. وسيساهم هذا التعاون في صياغة السياسات الصحية والاجتماعية على المستوى المحلي والإقليمي والإقليمي، وسيوفر قاعدة بيانات واقعية للمساعدة في صياغة سياسات وطنية أكثر فعالية.

كما أن التنسيق بين المدن وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات بين مختلف الجهات الفاعلة المحلية له أهمية خاصة أيضًا. وفي هذا الصدد، فإن مشاركة مؤسسة محمد السادس للتضامن في إحداث وتطوير مراكز علاج الإدمان باتباع نهج التدخل الطبي والاجتماعي، يعد خطوة مهمة نحو تعزيز سياسات المخدرات المرتكزة على الصحة العمومية وحقوق الإنسان. وهذا يوضح أيضًا أن ورش العمل هذه يجب أن تبقى بعيدة عن الحسابات السياسية الضيقة والمصالح الانتخابية.

لم يعد إصلاح سياسة المخدرات في المغرب ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات الاجتماعية والصحية والأمنية الراهنة. ويبدو أن إحدى نقاط الدخول لهذا الإصلاح تتلخص في الانتقال من نهج مركزي موحد في التعامل مع السياسات الإقليمية التي تستحضر خصوصيات المدن والمناطق، وتعتمد على الشراكات مع الجهات الفاعلة المحلية، وتعطي الأولوية للصحة العامة وحقوق الإنسان من خلال اعتماد التدخلات القائمة على الأدلة، بما في ذلك أساليب الحد من المخاطر.

– الباحثون المهتمون بالسياسة الدوائية والأبحاث الإنسانية

#سياسة #المخدرات #المغربية

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات