وتعادل المنتخب المغربي مع البرازيل، وفاز على اسكتلندا، ثم تغلب على هايتي 4-2 لينهي الدور الأول من كأس العالم 2026 دون أي هزيمة. برصيد سبع نقاط، يحتل المغرب المركز الثاني في المجموعة الثالثة خلف البرازيل بفارق الأهداف، ليفتح الباب أمام دور الـ32 بمواجهة صعبة مع هولندا.
ولا تمثل هذه النتيجة نجاحا رقميا فحسب في مجموعة تضم البرازيل واسكتلندا وهايتي، بل تؤكد أيضا أن المنتخب المغربي دخل مرحلة جديدة في حضوره العالمي. وكما كانوا في مراحل سابقة من تاريخهم، لم يعودوا فريقاً يبحث عن المفاجآت فقط، كما أنهم ليسوا مستعدين لتقديم أداء جيد بشكل استثنائي في قطر 2022. بل أصبح فريقاً يحتاج إلى تأكيد مكانته، وتحمل مسؤولية أدائه ونتائجه، وفهم قيمته ومواجهة خصم يستعد بجدية أكبر.
لكن هذا التأهل، رغم قيمته، لا يخفي أن الدور الأول قدم صورتين مكتملتين للمنتخب المغربي. إحداهما صورة فريق ناضج يمكنه المنافسة ومواكبة البرازيل على مستوى عالٍ، والأخرى صورة فريق يحتاج إلى مزيد من الصرامة عندما يلعب ضد فريق يبدو ضعيفًا على الورق ولكنه يمكن أن يسبب الفوضى إذا فقد توازنه أو دخل المباراة بسرعة كبيرة.
7 نقاط من مجموعة متوترة
بدأ المغرب مباراته أمام البرازيل بالتعادل الذي كان له آثار نفسية وتنافسية واضحة. ولم تكن المباراة فقط من أجل حصد النقاط أمام فريق كبير، بل أيضاً لإثبات قدرة المغرب على اللعب بثقة ضد أحد أكبر الأسماء في كرة القدم العالمية. وسجل إسماعيل السبالي هدف التعادل ثم رد فينيسيوس جونيور للبرازيل، لتنتهي المباراة بنتيجة عكست التوازن بين انضباط المغرب والحسم الفردي للبرازيليين.
المغرب الذي لعب في هذه المباراة كان لديه القدرة على التوحد في الوسط والضغط المنظم والتحرك السريع في المساحات. لم يلعب بمنطق الخوف من البرازيل، لكنه أيضاً لم يندفع دون حساب. قم بتعطيل بناء دفاعات البرازيل من المناطق الوسطى، وقلل المساحة أمام الأطراف وابحث عن لحظات التحول المناسبة. ورغم أنه نجح في ذلك لفترة طويلة، إلا أن المنتخب البرازيلي فرض حضوره على فترات أخرى دون أن يتمكن من قلب النتائج.
كان الاختبار مختلفًا ضد اسكتلندا. ومع ضرورة تأكيد التعادل مع البرازيل، منح هدف إسماعيل سيبالي المبكر بعد 71 ثانية المغرب أفضلية ثمينة. ولم تكن المهمة حينها سهلة، إذ زاد المنتخب الاسكتلندي من مستوى الضغط البدني في الشوط الثاني، واعتمد على الكرات المباشرة والعرضيات والتصديات. لكن المغرب عرف كيف يدير هدفا واحدا حتى النهاية، مع الحفاظ على الحد الأدنى الضروري من السيطرة والانضباط.
أما المباراة ضد هايتي، فقد كانت الأكثر إثارة والأكثر إحباطاً في آن واحد. فاز المغرب بنتيجة 4-2، لكنه تفوق عليه منافس لعب بدون عقد أو حساب واضطر للعودة مرتين. تقدمت هايتي، ثم سجل عادل أشرف حكيمي، ورد إسماعيل سايباري في الوقت بدل الضائع من الشوط الأول لتتقدم هايتي مرة أخرى. وفي الشوط الثاني، حسم المغرب المباراة بهدفي سفيان رحيمي وجاسم ياسين.
المغرب لم يتأهل بحساب الهامش القريب أو انتظار نتائج الدول الأخرى، بل حصل على التأهل بسجل قوي من فوزين وتعادل واحد و7 نقاط وبدون خسائر. لكن الطريقة التي فازوا بها على هايتي علمتهم درساً مهماً. في كأس العالم، إذا فقدت التركيز أو الهجوم دون خلق مساحة خلفك، فلن تتمكن من لعب مباريات صغيرة.
هوية مغربية متميزة
وأوضح ما تم الكشف عنه في الجولة الأولى هو أن المنتخب المغربي يمتلك فكرة لعب واضحة لا تعتمد فقط على الحماس أو الدفاع أو انتظار أخطاء الخصم. من خلال وضع مركز ثقله في وسط الملعب، فإنه يتحكم في الإيقاع، ويعطل بناء دفاعات الخصم، ويتوسع بسرعة في المساحة.
وبدا ذلك واضحا أمام البرازيل حيث لعب المغرب بخط وسط يمكنه الضغط والمراقبة والارتباط. كما ظهر أيضًا ضد اسكتلندا، مستخدمًا خط وسطه للسيطرة على المباراة بعد تقدمه. كما ظهر، وإن كان بشكل أقل انتظامًا، ضد هايتي عندما زاد الفريق الضغط في الشوط الثاني واحتاج لاستعادة الكرات الثانية.
وجود لاعبين مثل عز الدين أوناحي وبلال كنعوص وأيوب بوادي ونائل العيناوي وإسماعيل الشيباري يسمح للفريق بتنويع مراكز خط الوسط. هناك لاعبون يوازنون، ولاعبون يضغطون، ولاعبون يتواصلون، ولاعبون يتنقلون بين الخطوط.
هذه المرونة تسمح للمغرب بتغيير إيقاع اللعب نفسه، والانتقال من الضغط إلى الاستحواذ ومن قلب الدفاع إلى التحولات السريعة.
إلا أن هذا الهيكل يتطلب دائما تأثيرا أكبر في الثلث الأخير. وأظهر المغرب القدرة على خلق لحظات الخطر، لكنه لم يكن دائما حاسما بما يكفي لتحويل السيطرة إلى أهداف.
أمام اسكتلندا، كان من الممكن أن تنتهي المباراة مبكرًا لو استقبلنا الهدف الثاني. أمام البرازيل، تمكن الفريق من الاستفادة بشكل أفضل من ارتباك المنافس في فترات معينة. سجل أربعة أهداف في مرمى هايتي، لكن على حساب ترك مساحة دفاعية قد تكون مكلفة أمام منافسين أقوى.
شيباري وحكيمي ودكة
كان إسماعيل الشبالي من أكثر الوجوه شهرة في الجولة الأولى. سجل في مرمى البرازيل، ثم في مرمى أسكتلندا، ثم عاد ليسجل هدف الحسم في نهاية الشوط الأول في مرمى هايتي.
أهمية سايباري لا تكمن في عدد الأهداف فحسب، بل في التوقيت أيضًا. هدفه في مرمى البرازيل منح المغرب الثقة في وقت مبكر. هدفه في مرمى اسكتلندا غيّر مجرى المباراة منذ الدقيقة الثانية فصاعدًا. هدفه ضد هايتي هو منع خصمه من اقتحام مستودع الملابس الخاص بهم.
هذا النوع من اللاعبين يمنح الفرق شيئًا أساسيًا في البطولات الكبرى: القدرة على ترجمة الأفكار التكتيكية إلى لحظات حاسمة. سايباري لا يظهر فقط في منطقة الجزاء، ولكنه يعرف أيضًا كيفية التحرك في المساحة، والخروج من المواقع الدفاعية واختيار اللحظة المناسبة للوقوف خلف الخط.
وإلى جانبه، بقي أشرف حكيمي أيضًا أحد مفاتيح المنتخب الوطني. كان هدفه في مرمى هايتي أكثر من مجرد لحظة تثبيت للنتائج، بل كان بمثابة لحظة دعم نفسي للفريق. يمنح حكيمي المغرب قوة هجومية كبيرة على الجهة اليمنى، مما يضع ضغطًا مستمرًا على المنافسين، لكن على حساب التحرك بعيدًا للأمام، تصبح التغطية الدفاعية في الخلف مشكلة. وستكون هذه نقطة أكثر حساسية بالنسبة لهولندا، التي تتمتع بوضوح بنقاط قوة على الأجنحة وفي المراحل الانتقالية.
كما تجلت القيمة الحقيقية للاحتياطي في المباراة ضد هايتي. أثبت ظهور سفيان رحيمي وقدرته على تسجيل الهدف الثالث أن المغرب لا يعتمد فقط على التشكيلة الأساسية. ثم جاء هدف جاسم ياسين الذي أعطى معنى أكبر لتنوع الحلول الهجومية.
صلبة ولكنها ليست مثالية
وتلقت شباك المغرب ثلاثة أهداف في الجولة الأولى، هدف أمام البرازيل وهدفين أمام هايتي. ولا يبدو هذا الرقم مقلقاً في حد ذاته، لكنه يستدعي بعض الحذر، خاصة بالنظر إلى طبيعة الهدف ضد هايتي.
المشكلة لم تكن في دفاع الفريق المنظم عندما يكون في مراكزه، بل في التحولات ولحظات فقدان الكرة، خاصة عندما يتقدم العديد من اللاعبين إلى الأمام.
وفي المباراة ضد البرازيل جاء الهدف من تسديدة فردية عالية الجودة. ضد اسكتلندا، نجح المغرب في الدفاع عن منطقة جزاءه من الكرات الطويلة والعرضيات.
ومع ذلك، ضد هايتي، ظهرت المساحات في خط الوسط وخلف الظهيرين، وبدا أن الرغبة في تسجيل المزيد من الأهداف يمكن أن تقلب التوازن إذا لم تكن مصحوبة بتغطية دقيقة.
هذا الدرس مهم قبل أن نلعب ضد هولندا. يتمتع المنتخب الهولندي بالقوة البدنية، وسرعة الأيدي والأقدام، والقدرة على الاستفادة من العرضيات والكرات الثانية.
ولذلك، لن يكفي أن يهاجم المغرب بشجاعة، بل سيحتاج إلى الهجوم بتوازن. يحتاج إلى تغطية جميع تقدمات حكيمي وظهير الخصم. إذا لم يكن الضغط العكسي سريعًا ومنظمًا، فإن فقدان الكرة في الوسط قد يؤدي إلى خطورة مباشرة.
من البرازيل إلى هولندا
فاز المغرب على تونس 3-1 ليتأهل إلى دور الـ 32، وهو ما سيشهد تقدمه على هولندا متصدرة المجموعة. على عكس مباراة الجولة الأولى، ستكون هذه المواجهة بمثابة مباراة تصفية مع عدم السماح بإجراء أي تعديلات في الجولة التالية.
هولندا فريق يعرف كيف يلعب مثل هذه المباريات. وتكمن نقاط قوته في نواحيه وحضوره الجوي وضغطه المبكر وقدرته على التسجيل من أنصاف الفرص. وكشف تقدمه السريع أمام تونس عن قدرته على مهاجمة الخصوم منذ البداية، مما وضعه تحت ضغط نفسي وتكتيكي مبكرا.
مفتاح هذه المباراة بالنسبة للمغرب سيكون تجنب البداية المربكة واختراق الضغط الهولندي الأولي ثم استغلال المساحة في الخلف.
يمتلك المنتخب المغربي الأدوات اللازمة للقيام بذلك، بما في ذلك حكيمي للجري، ولاعبي الوسط للتمرير العمودي، والأجنحة والمهاجمين لمساحات الهجوم. لكن هذا يتطلب دقة كبيرة في التمريرة الأولى وقرارات سريعة عند استرجاع الكرة.
سيكون رد فعله على العرضيات واللعبات الثابتة عاملاً حاسماً أيضًا. تبحث هولندا عن القوة في منطقة الجزاء وغالباً ما تعزز قوتها البدنية. ولذلك يحتاج المغرب إلى التركيز على الدفاع وكسب الكرات الثانية وعدم ارتكاب الأخطاء السهلة للخصم في المناطق القريبة من المرمى.
استحقاق مستحق وتحذير نافع.
أنهى المغرب الدور الأول بالنتيجة المرجوة، دون أي هزيمة وبسبع نقاط، ليتأهل إلى دور الـ32 متساويا مع البرازيل في النقاط. وكانت تلك نتيجة إيجابية، خاصة وأنهم كانوا يتنافسون ضمن مجموعة تسترجع أسمائها من مونديال 1998، لكنها أعطت هذه المرة المغرب وضعا مختلفا تماما.
اعترف المغرب بأنه فريق ناضج يتمتع بخط وسط قوي وطبيعة تنافسية ولاعبين يمكنهم الحسم من مراكز متعددة. ولكنه تلقى أيضاً التحذير اللازم ضد هايتي. لا يكفي أن تكون الأفضل فنيًا، بل يجب أن تكون أكثر تركيزًا وتوازنًا. لأنه يمكن لأي شخص أن يعاقبك إذا أعطيته المساحة والوقت.
#مونديال #بالمغرب. #البداية #بطعم #اليقين #صوت #المغرب









