الرئيسيةالتربية والتعليمالجامعات الخاصة في المغرب.. من الملاذ البديل للاستثمار الأسري من أجل التكامل...

الجامعات الخاصة في المغرب.. من الملاذ البديل للاستثمار الأسري من أجل التكامل في سوق العمل

توجت المسيرة الأكاديمية للشاب المغربي أسامة الأشقر بحصوله على شهادة الهندسة في علوم الطيران والفضاء من جامعة الرباط الدولية بعد خمس سنوات من الدراسة المضنية.

ولم يجد أسامة سوى جامعة خاصة لمتابعة شغفه بعالم الطيران، إذ لم يكن لدى الجامعات الحكومية تخصص مناظر يجمع بين الطيران وعلوم الفضاء. وأوضح للجزيرة نت أن الدراسة في الجامعة تتم باللغة الإنجليزية، مما يفتح المجال أمام الطلاب للعمل أو مواصلة دراستهم في الخارج دون حواجز لغوية.

تبلغ تكلفة الدراسة في هذا التخصص حوالي 72000 درهم (حوالي 7700 دولار) سنويًا، ولكن يمكن تقليل ذلك عن طريق الفوز بمنحة دراسية. ومقابل هذه الرسوم، تقدم الجامعة فرصة الحصول على دبلوم مزدوج وقضاء فصل دراسي في الخارج من خلال شراكات مع مؤسسات جامعية دولية. بالإضافة إلى التعلم النظري، يخضع الطلاب لجلسات عملية في أحدث المختبرات وأجهزة محاكاة الطيران.

فاطمة العلوي، موظفة حكومية، اختارت إلحاق ابنها بمدرسة ثانوية خاصة مرموقة بالرباط لدراسة تكنولوجيا المعلومات.

وقالت للجزيرة نت إن “نسبة البكالوريا المرتفعة والقدرة المحدودة للجامعات الحكومية” هما ما دفعها إلى هذا الاختيار رغم العبء المالي. وشددت بلهجة متفائلة على أن “هذا استثمار في مستقبل ابني”.

وتمثل هاتان التجربتان تغييرا كبيرا في نظرة الأسر المغربية إلى التعليم الجامعي الخاص. ولم يعد قطاع التعليم الجامعي الخاص يقتصر على الأثرياء، بل أصبحت أسر الطبقة المتوسطة تختار الجامعات الخاصة لتوفير تعليم جامعي أفضل لأبنائها.

جامعة الرباط الدولية تأسست في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص (الجزيرة)

ومع تزايد معايير الاختيار المرتفعة والأماكن المحدودة في كليات مثل الطب والهندسة والإدارة، يجد العديد من الطلاب في الجامعات الخاصة وسيلة لتحقيق طموحات أبنائهم. ورغم العبء المالي على أولياء الأمور، إلا أن هذه المدارس تعتبر بديلا يوفر تدريبا عالي الجودة وشهادات معترف بها يضاهي تلك الممنوحة في القطاع الحكومي، وبتكلفة لا تزال منخفضة مقارنة بتكلفة إرسال الأبناء للدراسة في الخارج.

عوامل متشابكة

شهد التعليم العالي الخاص تغيرات جذرية خلال العقد الماضي. وبينما كان يقتصر في الثمانينيات والتسعينيات على المدارس والمعاهد المتخصصة، فقد أدى صدور قانون تنظيم التعليم العالي الخاص في عام 2010 إلى خلق الأساس القانوني الذي سمح لأول مرة بإنشاء جامعات خاصة معتمدة وجامعات أخرى تابعة للقطاع العام تقدم درجات علمية معادلة لتلك الممنوحة في الجامعات الحكومية.

واقتصرت هذه الجامعات على محور الرباط-الدار البيضاء، ثم أنشئت فيما بعد في مدن أخرى مثل فاس، ومراكش، وأكادير، وبرسيد، وسطات.

وبحسب بيانات عام 2025، بلغ عدد مؤسسات التعليم العالي الخاص ما يقارب 213 مؤسسة، مقارنة بـ 196 مؤسسة في عام 2023، وتنتشر معظمها في مجموعة واسعة من المجالات المتخصصة، مثل الهندسة، والطب، وإدارة الأعمال، والاقتصاد.

وارتفع عدد الطلاب الملتحقين بشركات القطاع الخاص ليصل إلى 66.8 ألفاً عام 2023، ويرتفع إلى 79.3 ألفاً عام 2024، وما يقارب 91 ألفاً عام 2025، بنسبة زيادة قدرها 14.8% عن العام السابق.

يعزو كمال الديساوي، رئيس اتحاد التعليم الخاص، هذا التطور جزئياً إلى أزمة الثقة في قدرة بعض المقررات الجامعية العامة المستقطبة بشكل علني على ضمان مسارات وظيفية واضحة للخريجين.

وبحسب البيانات الرسمية، يبلغ معدل البطالة بين خريجي كليات الآداب والحقوق والاقتصاد نحو 19%.

المغرب / الرباط / صنعاء الكويتي / كمال الديساوي رئيس اتحاد التعليم الخاص / مصدر الصورة : خاص بالموقع
الأستاذ كمال الديساوي رئيس اتحاد التعليم الخاص (الجزيرة)

ويقول الديساوي للجزيرة نت إن الأسر المغربية، خاصة المنتمية إلى الطبقة المتوسطة الناشئة، لم تعد تنظر إلى التعليم العالي باعتباره مجرد حق مكتسب، بل كاستثمار طويل الأجل، لا تقدر قيمته بقيمة شهادة رمزية فحسب، بل أيضا بمعايير الفوائد المهنية المتوقعة.

وأضاف أن جهود الدولة لتنظيم القطاع الخاص من خلال التشريعات وتحفيزه من خلال آليات الاعتماد والشراكة قد أعطت الأسر ضمانًا أكبر لجودة هذا التدريب مقارنة بالعقود الماضية.

وأشار عبد الناصر النازي مدير مؤسسة «أماكن لجودة التعليم» في تصريح للجزيرة نت إلى أن نمو التعليم الخاص يعود إلى أنه يوفر للمستثمرين عوائد سريعة ومضمونة، ولا سيما زيادة إنفاق الأسر على التعليم، وكونها أحيانا على استعداد لتقديم التضحيات واقتراض الأموال، مما يحول التعليم إلى أصل مالي يمكن أن يؤدي إلى عوائد استثمارية طويلة الأجل.

لكنه يرى أن هذا الاستثمار الكبير من قبل العائلة لم يحقق بالضرورة الأمن المهني الذي تنشده الطبقة الوسطى، كما أنه لم يساهم في الحد من هجرة الطلبة المغاربة إلى الخارج. على العكس من ذلك، بالنسبة للطلاب الموهوبين بشكل خاص، تم تأجيل هذه الهجرة ببساطة إلى ما بعد التخرج.

فرص التدريب والتوظيف

لا توجد أرقام أو مسوحات رسمية حديثة تكشف نسبة توظيف خريجي الجامعات الخاصة بعد التخرج، وهذا النقص في البيانات يشكل “فجوة إحصائية”، قال كمال الديساوي، مشددا على ضرورة معالجة هذه المسألة مستقبلا، لأن هذه البيانات مهمة في تقييم أداء القطاع بشكل موضوعي.

طلاب يرتدون قبعات هاون ينتظرون استلام شهاداتهم خلال حفل التخرج في جامعة الرباط بالمغرب في 2 فبراير 2019. التقطت الصورة في 2 فبراير 2019. رويترز/يوسف بودرال
تفاوت في معدلات التوظيف بين خريجي الجامعات الخاصة (رويترز)

في غضون ذلك، أعلن رؤساء الجامعات الخاصة عن الوضعية الوظيفية لخريجيهم، كما أعلن رئيس جامعة الرباط الدولية أن 93% من خريجيها يتم تشغيلهم خلال عام.

أما رئيس جامعة فاس الخاصة، فقد أعلن أن نسبة اندماج الخريجين في سوق العمل تبلغ حوالي 87%.

ويعتقد عبد الناصر النازي أن هناك سلسلة من العوامل تضيف قيمة إلى التعليم الخاص لأنه يزيد من فرص التوظيف. وأوضح أن هذه الجامعات تركز على المهارات التطبيقية والقدرة على التكيف والقدرات متعددة التخصصات، وتنظم منتديات لربط الطلاب والشركات. أضف إلى ذلك عامل اللغة. اعتمدت بعض الجامعات اللغة الإنجليزية كلغة رئيسية للتعليم لتعزيز الانفتاح الدولي وتقديم برامج التبادل والتدريب الدولية التي تمنح الطلاب ميزة تنافسية.

ومع ذلك، حث النازي على التعامل مع معدلات التوظيف المنشورة “بحذر” لأنها “تعكس القدرات التسويقية للصناعة وليس الضمان المطلق للتكامل المهني”.

ويرى أن الأرقام وحدها لا تكفي، بل “يجب أن تكون مصحوبة بضمانات حقيقية للجودة والشفافية، وهي ما لا تزال غائبة إلى حد كبير”.

يخاف

إن القلق الأبرز بشأن نمو الجامعات الخاصة في المغرب يتعلق بتسليع التعليم، الذي لا يزال متاحا فقط للأثرياء اقتصاديا.

ويرى عبد الناصر النازي أن تسليع التعليم أصبح حقيقة وليس مجرد خوف، حيث تحولت بعض المؤسسات إلى أصول مالية للمستثمرين وصناديق الاستثمار. لكن المشكلة الأخطر في نظره هي غياب الرقابة الفعالة، كما كشف تقرير المجلس الأعلى للمحاسبين للأعوام 2023-2024.

ورصد التقرير سلسلة من الاختلالات الهيكلية، بما في ذلك عدم كفاية الرقابة الإدارية والتعليمية، حيث لم يتجاوز المعدل الإجمالي 3% سنويا لمدة عشر سنوات.

المغرب / الرباط / صنعاء الكويتي / عبد الناصر النازي رئيس مؤسسة أماكن للتعليم الجيد / مصدر الصورة: خاص بالموقع
الأستاذ عبد الناصر الناجي رئيس مؤسسة مكان لجودة التعليم (الجزيرة)

ونبه النازي إلى أن قانون تنظيم التعليم العالي يبسط عملية الاعتماد مقارنة بقانون الجامعات الحكومية، ويسهل إنشاء الجامعات الخاصة بمرسوم وحده، ويسمح لأساتذة التعليم الحكومي بالتدريس في الجامعات الخاصة، مما يعطي القطاع الخاص مكانة تفضيلية تخل بالتوازن مع التعليم الحكومي.

ويعتقد أن هذه المرافق تضعف التعليم العمومي وتديم الفوارق الاجتماعية والمكانية العميقة، مما يجعل التعليم العام تعليما عاما وخاصا للأثرياء، دون توفير أي آليات حقيقية لضمان الجودة أو تحديد سقف للرسوم الدراسية، كما ينص القانون.

واعترف كمال الديساوي، بأن الآليات المعتمدة لمنع تحول الجامعات الخاصة إلى مساحات مغلقة أمام فئات اجتماعية معينة، “محدودة مقارنة بحجم التحدي”، وهو في رأيه “واقع يجب الاعتراف به بشفافية بدلاً من إضفاء طابع رومانسي عليه”.

وأشار إلى أن هناك عددا من المبادرات الفردية، مثل قيام بعض المؤسسات الخاصة بتطوير خطط المنح الدراسية داخل الحرم الجامعي وتسهيلات الدفع للطلاب الموهوبين من الأسر ذات الدخل المنخفض، وإنشاء خطط القروض الفخرية بالشراكة مع بعض المؤسسات المالية.

لكنه يرى أن هذه الجهود “فردية وغير مؤطرة بسياسة حكومية موحدة تربط القطاع بأكمله”، ويؤكد أن الخطوة التالية تتطلب تدخلات أكثر جرأة من خلال ربط الاعتماد والاعتماد بالتخصيص الإلزامي للمنح الاجتماعية، “حتى لا يصبح التعليم العالي الخاص، رغم كل مزاياه، امتيازا طبقيا يعمق الفوارق الاجتماعية الموجودة بالفعل”.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات