مصدر الصورة, صور جيتي
صادر
مدة القراءة: 5 دقائق
منذ 49 عاما، يحتفل المغاربة بالمسيرة الخضراء التي أطلقها ملك المغرب الراحل الحسن الثاني في 6 نوفمبر 1975. وآنذاك، انطلقت مسيرة إنسانية نحو الولايات الجنوبية لاستعادة الولايات الجنوبية من الاستعمار الإسباني.
لكن الذكرى السنوية الخمسين لهذا العام ستكون مختلفة. يتم الاحتفال بالمسيرة الخضراء في سياق مختلف. وقبل أيام، قررت الأمم المتحدة تبني مخطط المغرب للحكم الذاتي للصحراء الغربية، رغم رفض جبهة البوليساريو التي تأسست عام 1973 وتطالب بحق تقرير المصير.
ومثلت انطلاقة المسيرة الخضراء نقطة تحول في تاريخ المغرب والصحراء الغربية، وما زال تأثيرها السياسي والدبلوماسي مستمرا حتى يومنا هذا.
الخلفية التاريخية
مصدر الصورة, صور جيتي
وفي 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1975، شارك 350 ألف متطوع في مسيرة دعا إليها الملك الحسن الثاني للإثبات أمام الأمم المتحدة أن هناك “اتفاقا حول وحدة البلاد” وتعزيز “شرعية المغرب التاريخية والقانونية للصحراء”، كما وصفتها السلطات في ذلك الوقت.
وبحسب الأمم المتحدة، فإن هذه المناطق التي كانت مستعمرات لإسبانيا حتى عام 1975، تعد من المناطق غير المتمتعة بالحكم الذاتي والتي لم يتم التوصل إلى تسوية نهائية مسبقة بشأنها، وهو ما تعتبره جبهة البوليساريو استهتارًا بإرادة السكان المحليين، خاصة بعد توقيع اتفاق مدريد في 14 نوفمبر 1975، الذي نص على انسحاب إسبانيا وتقسيم الحكم في المنطقة بين المغرب وموريتانيا.
وهي المنطقة الوحيدة في القارة الإفريقية التي ظل وضعها معلقا بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية، مما فتح الباب أمام سنوات من الصراع بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر.
وفي عام 1984، اعترفت منظمة الوحدة الأفريقية بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، لكن احتجاجا على هذا الاعتراف انسحب المغرب من منظمة الوحدة الأفريقية حتى عودتها في عام 2017.
واستمر النزاع المسلح بين جبهة البوليساريو والجيش المغربي دون حل سياسي نهائي إلى أن تم إعلان وقف إطلاق النار تحت رعاية الأمم المتحدة عام 1991، مما وضع الأساس للمفاوضات اللاحقة، التي تعثرت لعقود قادمة.
وفي عام 2007، قدمت الرباط مبادرتها للحكم الذاتي للصحراء الغربية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بهدف التوصل إلى “حل سياسي نهائي”. ورفضت جبهة البوليساريو هذه المبادرة معتبرة أن خيار الاستفتاء على تقرير المصير هو الحل الوحيد، معتبرة أنها لا تضمن خيار الاستقلال وتتحايل على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
وتتلخص الفكرة في منح شعب الصحراء الغربية القدرة على إدارة الشؤون المحلية، مع الاحتفاظ بالسيادة الكاملة على العلوم والعملة والجيش والسياسة الخارجية وغيرها من التفاصيل في أيدي المغرب.
لكن بعد 18 عامًا، تم إحياء الفكرة عندما تبنى مجلس الأمن مشروع قرار أمريكي يدعم خطة الرباط المقدمة في عام 2007، والتي نصت على الحكم الذاتي للمنطقة تحت السيادة المغربية.
وقال العاهل المغربي الملك محمد السادس، في كلمة عقب إعلان الأمم المتحدة، “بعد 50 عاما من التضحيات، بعون الله وتوفيقه، بدأنا في تحقيق اختراق جديد لتوحيد المغرب في الصحراء وإنهاء هذا الصراع من صنع الإنسان في نهاية المطاف في إطار حل توافقي على أساس مبادرات الحكم الذاتي”.
ودعا الملك في كلمته الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى فتح باب الحوار وتجاوز الخلافات وبناء علاقات جديدة مبنية على الثقة.
ودعا مجلس الأمن حتى الآن المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا إلى استئناف المفاوضات المتوقفة منذ 2019 من أجل التوصل إلى “حل سياسي واقعي ودائم ومقبول من الطرفين”.
التغيير السياسي

وقد أخذ هذا الملف مكانه مرة أخرى ضمن أولويات الوكالة التابعة للأمم المتحدة بسبب التطورات غير المسبوقة في الوضع الدولي.
وقد وفرت الدبلوماسية المغربية لتغيير اقتراح الحكم الذاتي أساسا متينا للمفاوضات، حيث أيدت عدة دول في السابق موقف المغرب. تميزت الفترة من 2020 إلى 2025 بالاعترافات المتتالية بمغرب الصحراء المغربية، بما في ذلك من قبل الولايات المتحدة، من خلال الاعتراف بصحراء المغرب خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب كرئيس. وفي وقت لاحق، أيدت إسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة القرار.
ورغم أن الولايات المتحدة وفرنسا ودول غربية أخرى أعربت عن دعمها لمبادرة المغرب باعتبارها “حلا واقعيا”، إلا أن الاتحاد الأفريقي ظل منقسما بين البلدان التي تدعم المغرب وتلك التي تعترف بالبوليساريو، مثل الجزائر وجنوب أفريقيا وناميبيا.
وفي عام 2021 عينت الأمم المتحدة مبعوثا خاصا للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا لمتابعة الملف، واستؤنفت المحادثات بين الطرفين. كما ركزت اجتماعات مجلس الأمن خلال السنوات القليلة الماضية على ضرورة التوصل إلى “حلول سياسية واقعية ودائمة” مبنية على التوافق، مع التأكيد على “عدم فرض حلول أحادية”.
مستقبل المنطقة
وأكدت الأمم المتحدة أن المفاوضات ستجري قريبا بين الطرفين خلال الفترة المقبلة، إلا أن جبهة البوليساريو أكدت في بيان إعلامي أنها لن تشارك في هذه المفاوضات لأنها تستبعد حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
وفي أول تصريح له بعد تصويت مجلس الأمن لصالح قرار أمريكي يدعم مقاربة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربية وتمديد بعثة المينورسو، المعروفة ببعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، للعام الجديد، أكد وزير الخارجية دي ميستورا أنه “لا يوجد حل مسبق في المفاوضات بين جبهة البوليساريو والمغرب”، كما أخذت الأمانة العامة للأمم المتحدة علما بمقترحات المغرب وجبهة البوليساريو ودعت المغرب إلى: تقديم مزيد من التوضيحات والتفاصيل حول المقترح.
وأضاف أنه دعا جميع الأطراف إلى “تقديم مقترحات لتمكين الأمم المتحدة من وضع برنامج للمشاورات المباشرة أو غير المباشرة حسب الاقتضاء”.
وشدد رئيس الوزراء في كلمته أيضا على أن هذا القرار “مهم لأنه يظهر تصميما وتصميما دوليا متجددا على حل هذا الصراع المستمر منذ 50 عاما” ورحب بتمديد ولاية بعثة المينورسو في هذا الصدد حتى أكتوبر 2026.
كما أكد مسعد بولس، كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة للشؤون الإفريقية والعربية، أن طرفي الصراع هما جبهة البوليساريو والمغرب، مشيرا إلى أن مقترح المغرب ليس الحل الوحيد لقضية الصحراء الغربية، بل إن الباب مفتوح لمقترحات أخرى، مؤكدا أن أي حل يجب أن يكون مرضيا ومقبولا لطرفي النزاع.
وبعد مرور نصف قرن على المسيرة الخضراء، شهدت المنطقة تغيرات كبيرة خلال العقود القليلة الماضية بين صراعات مسلحة انتهت بوقف إطلاق النار ومفاوضات غير مكتملة لمواصلة السير على طريق الاعترافات الدولية المتعاقبة. ويأتي القرار الأممي الذي يتبنى نهج المغرب، بعد رفض كامل من جانب جبهة البوليساريو، التي لا ترى حلا سوى حق تقرير المصير.
لكن باب المفاوضات مفتوح على مصراعيه، في انتظار مقترحات الطرفين للحل ونتيجة المحادثات التي تقودها الأمم المتحدة في الفترة المقبلة.
#عاما #من #المسيرة #الخضراء #في #المغرب #بين #الذاكرة #الوطنية #وتحدي #الحلول #السياسية #بي #بي #سي #نيوز









