الرئيسيةفن وثقافةالتدبير الثقافي بين القول والفعل في المغرب

التدبير الثقافي بين القول والفعل في المغرب

إذا كانت الثقافة هي خليط المعرفة واللغة والمعتقدات والسلوك والأخلاق التي يرسّخها الإنسان في مجتمع ما، وكل ما يبدعه من تاريخه الطويل والشامل، وكلها ذات أهمية حيوية لبناء مجتمع متعلم يهتم بالثقافة وجذورها وكل العناصر المرتبطة بها، فمن هنا لا يمكن فصل الوضع الثقافي عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فهو عامل محدد لبناء مجتمع متكامل ومتناغم.

ولا تقتصر المقاربات الأساسية لتأسيس وبناء الثقافة على الخطاب والتفسير فحسب، بل ترتكز على دراسة وتشخيص جميع عناصر البنية الأفقية والرأسية للمجالات الجغرافية والإقليمية للمجتمع. ولا تزال الإدارة الثقافية في المغرب، سواء من خلال المؤسسات العاملة في هذا المجال أو من خلال جميع الفاعلين في المجال الثقافي، خاضعة لمنطق التدابير التقليدية، وهو ما ساهم في إغلاق سلسلة من المسارح العمومية ودور السينما والعروض، فضلا عن تراجع مستوى الكتابة والنشر والتوزيع والقراءة. عدم وجود مشاكل في التواصل أحياناً بين كافة الركائز المهمة للشؤون الثقافية في بلادنا، ناهيك عن التوزيع غير العادل لجميع الجوانب المتعلقة بالدعم والمراقبة والمراقبة والإشراف من قبل المسؤولين عن إدارة هذا المجال.

ويظهر تشخيص المنظمات الثقافية المغربية أنه لم يتم وضع أي خطة هيكلية على مستوى الميثاق الوطني للثقافة لاستعادة مكانة الثقافة. ولذلك، فمن دون هذه الاستراتيجية، ومن دون خلق قطاع لا يصور خصائص العمل الثقافي إطلاقاً ويتبع منطق السوق ومنطق العرض والطلب، تبقى كل الآفاق محدودة.

وتبقى التدابير الموسمية عبر المواسم الثقافية والمهرجانات السينمائية والغنائية لمسات لا تساهم بشكل كبير في قضية المغرب الثقافية، فتبقى الممارسات الثقافية نمطا للاستهلاك، ولا يتم إنتاج المعرفة لخلق قيمة مضافة كمّا وكيفا.

ولتحديد خصائص النموذج الثقافي المغربي بكل تفاصيله وتفاصيله، لا بد من تشكيل إطار متفق عليه ينظم كل التراكم الاجتماعي، سواء أكان خاضعا لقوانين محددة، كالسينما والمسرح والموسيقى وغيرها، أو راسخا تاريخيا في معاملاتنا اليومية، كالسرديات ومختلف الأدوات والأساليب لإدارة العلاقات بين الأفراد والجماعات.

تبقى تدبير الوضع الثقافي بالمغرب مهمة فردية، ولم تدخل بعد في صلب السياسة العمومية، رغم حجم الميزانية وغيرها من المجالات المخصصة لهذا القطاع منذ التسعينيات وحتى اليوم. إن غياب الاستثمار في البنية التحتية الثقافية يجعل خيال القائمين على الشأن العام غير مقنع ويصنفون هذا القطاع على أنه قطاع غير منتج وغير مدر للدخل، وهو ما يستدعي إعادة بناء القطاع من جديد من خلال القيم الفنية والجمالية، ليثبت نفسه في السوق ويقترب من الجودة. وهناك حاجة هنا إلى خلق وتشجيع ريادة الأعمال الفنية التي تشغل الشرايين الرئيسية للاقتصاد، من أجل تحسين جودة جميع أنواع الفنون التي تشكل المشهد الثقافي في المغرب.

ولا بد من بناء استراتيجية للقطاع الثقافي وتجديد خطابه وتحقيق التوافق مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع. ويتطلب هذا البناء، بالإضافة إلى تجاوز أزمة الفهم والتساؤل والممارسة، إعادة الاعتبار لكل من ساهم في إبراز تميز السياق الزمني للفاعلين التاريخيين والأحداث الثقافية، لتشخيص كل النقائص الحالية التي تعيق بشكل أساسي بناء المجتمع التربوي. كما أنه من الضروري أن يعيد الجميع النظر في موقفهم وضرورة تجاوز السلبيات عند قراءة البنية الثقافية للمغرب، وكذا ضرورة البحث بمسؤولية عن كافة السبل للخروج من الأزمة الحالية من أجل خلق ثقافة تخدم جميع المجالات الأخرى وتخدم أيضا التنمية المستدامة وما تبقى من احتياجات الأجيال القادمة.

ونقدم هنا بعض المقاربات العملية لتعزيز مكانة الثقافة في المجتمع المغربي.

أولاً، توفير الظروف والظروف للإنتاج الثقافي والإبداعي والمساهمة في خفض تكاليف النشر ودعم الفنون التشكيلية باعتبارها العاصمة الثقافية للشعب.

ثانياً، لضمان حصول الجميع على الكتب، سننشئ فروعاً للمكتبة الوطنية في المناطق البعيدة عن وسط المدينة، حتى يستفيد شعبنا من ثمار الثقافة والإبداع.

ثالثاً، إنشاء مراكز ثقافية خارج المدينة وتقديم الدعم المادي والمعنوي لمختلف المؤسسات الثقافية والفنية.

رابعاً: إنشاء فروع للموسيقى والسينما والمسرح والمعارض الفنية خارج المدينة وتشجيع المواهب الشابة وإدخال المواد الفنية في البرامج التعليمية.

خامساً: إنشاء مراكز البحوث الثقافية في الجامعات الوطنية ودعمها مالياً وتطبيق أبحاثها ميدانياً والتعاون مع المؤسسات الثقافية العالمية والدخول في شراكات استراتيجية دائمة للاستفادة من برامجها وخبراتها في مجال الفنون والإبداع.

ففي نهاية المطاف، لم تعد الثقافة مشكلة عادية، بل أصبحت مشكلة تحتاج إلى أن ترتبط بعملية التنمية، ومن المهم للغاية إنشاء ذاكرة جماعية بعيدة عن كل الطبقات والفئات التي تكرس مواردها للتنمية وتؤسس الثقافة حسب رغباتها وطرقها. كما أن عدم السماح للثقافة بالترسخ في الصراعات الاجتماعية الأيديولوجية يكفي لضمان الحفاظ عليها دون تدنيس أهدافها النبيلة، ويكفي أيضاً للحفاظ على التقاليد الثقافية والقيم الروحية والأخلاقية. إطار المسؤولية الوطنية لحماية الشباب من كافة الأنماط الثقافية الأجنبية.

*باحث في إدارة العلاقات العامة.

#التدبير #الثقافي #بين #القول #والفعل #في #المغرب

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات