في إحدى ليالي خريف عام 2000، شهدت خطى صبي نحيف على أرصفة السفن في بوينس آيرس. امتلأت عيناها بالدهشة القلقة، وحملت في حقيبتها الصغيرة حلمًا يفوق جسدها الضعيف. لم يكن لديه ليونيل أندريس. ميسي في ذلك الوقت، لم يكن لديه سوى موهبة خارقة للطبيعة، وكاد نقص هرمون النمو أن يدمر حياته المهنية حتى قبل أن يبدأ.
الفتى الذي يواصل الركض سعياً وراء أحلامه
كانت عائلته المثقلة ماليًا في روزاريو بالأرجنتين تبحث عن نادٍ يغطي نفقاته الطبية الباهظة بدلاً من مجد كرة القدم.
عندما رصد كشافة نادي برشلونة الساحر الشاب، لم يكن هناك وقت لصياغة عقد رسمي، لذلك تمت صياغة أول التزام له على منديل في مقهى كتالوني. ولم يكن ذلك المنديل مجرد قطعة من الورق، بل كان وثيقة من شأنها أن تعيد كتابة تاريخ كرة القدم الحديثة.
ولم يحدث ذلك منذ أكثر من ربع قرن. ميسي لقد كان لاعبًا يركض ويركل الكرة. بل كان رسامًا يرسم صورًا سريالية بقدمه اليسرى على العشب الأخضر، وموسيقيًا يضبط إيقاعات الملاعب العالمية، وأسطورة حية لمس أفكارًا ظلت على حالها على مر السنين في عالم دائم التغير، وروض الجولات في الخضوع الطوعي.
من أزقة روزاريو إلى أضواء لا ماسيا
ولد ليونيل ميسي في 24 يونيو 1987 في مدينة روزاريو بالأرجنتين، ونشأ في عائلة محبة لكرة القدم، حيث بدأت عبقريته بالظهور في سن الخامسة. وانضم الشاب إلى نادي نيولز أولد بويز المحلي، لكن حياته تغيرت عندما تم تشخيص إصابته بنقص هرمون النمو في سن الحادية عشرة.
ونظراً لعدم قدرة النادي الأرجنتيني على تمويل علاجه، برزت أكاديمية لا ماسيا التابعة لبرشلونة كطوق نجاة، فانتقل الصبي إلى إسبانيا وبدأ رحلة لصقل الجوهرة النادرة التي من شأنها أن تغير ميزان اللعبة عالمياً.
العصر الذهبي وتأسيس الإمبراطورية الكاتالونية

وتمثل مسيرة ميسي مع نادي برشلونة الإسباني، الفترة الأكثر مجيدة في تاريخ النادي الكاتالوني. وصعد ميسي إلى الفريق الأول عام 2004 ودرس إلى جانب الساحر البرازيلي رونالدينيو قبل أن يصبح دعامة أساسية لنظام التيكي تاكا الشهير. خلال 17 عامًا قضاها بقميص البلوجرانا، لعب ميسي 778 مباراة، وسجل 672 هدفًا، وفاز بـ 10 ألقاب للدوري الإسباني، و4 ألقاب لدوري أبطال أوروبا، و7 بكأس الملك الإسباني، كما سجل ثلاثية تاريخية في كل من كأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبي.

محطة رحلة من حدائق باريس إلى شمس ميامي
وفي صيف 2012، وفي مشاهد درامية أدمعت الملايين، اضطر ميسي إلى مغادرة الكامب نو بسبب الأزمة المالية الخانقة التي يعاني منها النادي، وتوجه إلى العاصمة الفرنسية للانضمام إلى باريس سان جيرمان.
ولم تجلب التجربة في باريس نفس الزخم العاطفي، لكن بعد إضافة لقبين في الدوري الفرنسي ولقب واحد في كأس السوبر الفرنسي إلى خزائنه، قرر بدء تجربة جديدة في الملاعب الأمريكية مع إنتر ميامي وقاد الفريق على الفور للفوز بكأس الرابطة، محققا لقبه التاريخي الأول ومشعلا ثورة شعبية غير مسبوقة في اللعبة في أمريكا.

ملحمة الألم والأمل وتاج ذهبي عالمي.
ولطالما كانت علاقة ميسي بقميص منتخب الأرجنتين مزيجا معقدا من المودة العارمة والانتقادات الحادة، مع مقارنات مستمرة بالراحل دييغو مارادونا، خاصة منذ هزيمته الثالثة على التوالي في كوبا أمريكا ونهائي كأس العالم 2014.
لكن لولا العدالة التاريخية لما انتهت هذه القصة. وذلك لأن البرغوث عاد وقاد بلاده إلى العصر الذهبي. بدأت تلك الحقبة الذهبية مع كأس كوبا أمريكا وسط البرازيل عام 2021، تلتها كأس فيناريسيما والذروة التاريخية بالفوز بعيد المنال بكأس العالم في قطر عام 2022، قبل أن يختتم مسيرته القارية بالاحتفاظ بلقب كوبا أمريكا عام 2024.
استمرت رحلته الدولية المذهلة حتى ظهر للمرة السادسة والأخيرة في نهائيات كأس العالم في نهائي كأس العالم 2026، ضد الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ضد إسبانيا.

جائزة فردية لن تهز عرش دمية البالون أبدًا.
وطوال هذه المسيرة، سيطر النجم الأرجنتيني على منصاته الفردية وحقق أرقاما قياسية يبدو من المستحيل تحطيمها في المستقبل القريب. ميسي هو اللاعب الأكثر إنجازًا في التاريخ، حيث فاز بثماني جوائز الكرة الذهبية وستة أحذية ذهبية أوروبية وثلاث جوائز FIFA لأفضل لاعب في العام. وهو اللاعب الوحيد في التاريخ الذي فاز بجائزة أفضل لاعب في كأس العالم مرتين، مرة في البرازيل ومرة في قطر.

كلمات وداع صادمة وتاريخية على إنستغرام
بعد مسيرة دولية ملحمية استمرت 21 عامًا وهو يرتدي قميص لابيلسيستي، صدم ليونيل ميسي عالم الرياضة الدولية بإعلانه رسميًا اعتزاله كرة القدم الدولية. وجاء الوداع الأخير في بيان عاطفي للغاية نشره الساحر الأرجنتيني على حسابه الرسمي على إنستغرام. وبكلمات حزينة مليئة بالتعاطف، أكد أنه رغم أن القرار كان مؤلما وأثر في أعماق قلبه، إلا أنه أدرك أن الوقت قد حان للتنحي عن الحصان الدولي وإفساح المجال أمام المواهب الشابة الجديدة.

وكشف ميسي في رسالة وداعه أنه كتب بخط يده كلمات هذا البيان في 21 يوليو/تموز الماضي، بعد يومين فقط من نهائي كأس العالم الأخير. إلا أن الوفاة المأساوية لوالده خورخي ميسي في أغسطس الماضي جعلته مقتنعا تماما باعتزاله، فدخل النجم البالغ من العمر 39 عاما من الباب الكبير براحة بال تامة بعد أن أنهى مسيرته بأعجوبة 125 هدفا في 207 مباراة دولية. كل ما لديه من أجل وطنه.

عندما تقول كرة القدم وداعا لجزء من روحها الجميلة

كانت مسيرة ليونيل ميسي المهنية أكثر من مجرد إحصائية جافة مسجلة في أحد كتب عصبة الأمم: لقد كانت مدرسة للإصرار والعبقرية، تثبت كيف يمكن لجسم صغير أن يقهر العمالقة بالغريزة والذكاء. ومع اقتراب هذا الفصل الدولي الأخير من نهايته وانتقال ميسي من المدرجات إلى مشجع يهتف لبلاده، أدرك عالم كرة القدم أنه لا يودع مجرد لاعب عظيم، بل إنه يودع حقبة كاملة وجزء من روحها التي جعلت الملايين من الناس يحبون اللعبة.
#تهزم #اسكتلندا #وتتعادل #مع #البرازيل. #والمغرب #يلعب #ضد #هايتي #بعرضية








