الرئيسيةمجتمعالمجتمع المغربي وقضايا المصداقية

المجتمع المغربي وقضايا المصداقية

إن رصد أحاديث الناس حول انعدام المصداقية في الفضاءات العمومية، التي تعتبر قلب الحركات الاجتماعية المغربية، يعكس الروابط التي تربط الأفراد، وهي خصائص الاهتمامات الجماعية المعاصرة المتعلقة بالأفراد والمنظمات.

1. التمييز المفاهيمي: التمييز بين الصدق والأمانة

ومن الناحية الفلسفية واللغوية، هناك خطوط رفيعة وقوية تربط بين المفهومين، ولكن بأبعاد مختلفة.

الصدق: هو فضيلة أخلاقية للفرد، ويتعلق بمدى تطابق القول مع الواقع ونية الفاعل. وهو عماد “الذات” والسلوك الفردي.

الجدارة بالثقة: هذا مفهوم مؤسسي وعلائقي عظيم. لا يأتي من الشخص نفسه، بل مما يتلقاه من الآخرين. إنه مزيج من النزاهة والكفاءة والالتزام بالالتزام. عندما يتحدث الناس عن “الافتقار إلى المصداقية” علنًا، فإنهم لا يقصدون فقط “الأكاذيب” اللفظية. بل هي تمثل أزمة ثقة في الوعد، ونوعية العمل، واستمرار الوعد.

2. لماذا يتم الحديث عن هذا الموضوع كثيرًا اليوم؟

يعود سبب حديث الناس عن انعدام الموثوقية في المقاهي وفي الشوارع والأسواق إلى عدة تغييرات.

الانتقال إلى الفردية: يشهد المجتمع المغربي تحولا من مجتمع تقليدي قائم على التضامن (حيث كانت الكلمة والشرف ضامنين المعاملات) إلى مجتمع عالمي حديث تهيمن عليه المصالح الشخصية والمادية، مما أضعف القواعد الأخلاقية التقليدية.

الفجوة بين الخطاب والواقع: يشعر المواطن العادي بنوع من التناقض بين الوعود (سواء كانت إعلانات تجارية، أو خطابات بعض الممثلين، أو حتى الجهود اليومية الشخصية) والممارسة على أرض الواقع.

تأثير الفضاء الرقمي: ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في فضح العديد من الممارسات (عمليات احتيال، إشاعات، أخبار مزيفة) وخلقت حالة من “الشك المنهجي” أو “الشك العام” لدى السكان تجاه كل ما يرونه ويسمعونه.

3. تأثير انعدام الثقة (التأثير على التجارة والمجتمع والأمة)

إن انعدام الثقة له عواقب وخيمة ويؤثر على ثلاثة مستويات رئيسية:

أ- على مستوى المعاملات اليومية والاقتصادية

ارتفاع تكاليف المعاملات: يؤدي الافتقار إلى الثقة إلى استبدال المصداقية بالشك، مما يجبر الأفراد والشركات على الاعتماد بشكل كبير على الإجراءات القانونية المعقدة، والضمانات المادية الصارمة، والتوثيق الصارم حتى لأبسط المعاملات، مما يؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد وخلق بيئة لا تشجع المبادرة الحرة والاستثمار.

انخفاض “الأمن التعاقدي”: الخوف من تخلف الطرف الآخر عن الوفاء بالتزاماته (الإيجار، التجارة، الشراكة، وما إلى ذلك) يصبح عقبة أمام تطوير الأعمال.

ل. مستوى المجتمع (الاتصالات الاجتماعية)

تآكل رأس المال الاجتماعي: رأس المال الاجتماعي هو “الثقة”. فعندما تُفقد الثقة، تضعف روابط الثقة بين الأفراد، وينتشر “عدم الثقة”، ويؤدي ذلك إلى العزلة الاجتماعية وانعدام التضامن العضوي.

وتسود ثقافة “الكسب السريع” والانتهازية: حيث يُنظر للأسف إلى التصرفات المبنية على الالتزام والثقة على أنها نوع من السذاجة، ويُنظر إلى “الذكاء” المبني على الخداع على أنه نوع من الذكاء.

ج. على المستوى الوطني والمؤسساتي

أزمة الثقة المؤسسية: إن أخطر آثار انعدام الثقة هو انتقالها من الأفراد إلى المؤسسات (السياسة، الحكومة، وحتى الخدمات). وعندما يفقد المواطنون الثقة في مصداقية التزامات التنمية وبرامج الإصلاح، فإنهم يميلون نحو النفور (الاشمئزاز السياسي وعدم المشاركة في المبادرات العامة).

ضعف الالتزام الطوعي بالقانون: إن عدم الثقة في تطبيق القانون بشكل عادل يمكن أن يؤدي إلى محاولات للتحايل على القانون. وذلك لأن الأفراد يعتقدون أن “الجميع يلتزم بالقانون”.

4. هل هناك طريقة للتعامل مع هذه المشكلة؟ (رؤية مستقبلية)

إن إعادة بناء “الأصالة” هي ورشة عمل اجتماعية ومؤسسية طويلة الأمد تتطلب جهوداً على جبهتين متكاملتين:

الأول هو النهج المؤسسي والقانوني.

تنشيط الحوكمة الشفافة: الجدارة بالثقة تنمو مع الشفافية. كلما كانت الإجراءات الإدارية والقانونية والمالية أكثر وضوحًا ويسهل الوصول إليها (على سبيل المثال من خلال الرقمنة)، قلت مساحة التلاعب وأصبحت أكثر موثوقية.

إنفاذ القانون بشكل صارم: إن حماية المعاملات ومكافحة كافة أشكال الغش والاحتيال، بما في ذلك الاحتيال التجاري والمهني، يعيد إحساس الجمهور بأن القانون يحمي الشرفاء ويعاقب المخالفين.

الواقعية في النقاش العام: الانتقال من “حجة الوعد” إلى “حجة الإنجاز والانفتاح”. وهنا تكون الجرأة في الاعتراف بالقيود أكثر موثوقية من تقديم الوعود التي لا يمكن تحقيقها.

ثانياً: المقاربات الثقافية والتعليمية.

أنظمة التعليم والإعلام: التثقيف حول قيم المواطنة والمسؤوليات واحترام العقود والكلام كالتزامات أخلاقية وقانونية وليس مجرد اختيارات شخصية.

نماذج القدوة المؤسسية والاجتماعية: التأكيد على النماذج الناجحة القائمة على النزاهة والمصداقية في الاقتصاد والسياسة والمجتمع يسهم في تغيير الصور النمطية السلبية الشائعة.

ملخص:

الحديث عن انعدام المصداقية علناً هو “صرخة وعي طوعية” من المجتمع. عندما يشتكي الناس من انعدام الثقة، فإنهم في الواقع يطالبون بها ويتوقون إليها، وهذا مؤشر إيجابي على أن الجسم الاجتماعي لا يزال حيا، يرفض التطبيع عبر الرداءة الأخلاقية ويبحث عن أساس متين يبني عليه مغرب المستقبل المبني على الثقة المتبادلة.

دور النخب الفكرية والأكاديمية في تحويل سجالات الشوارع العفوية إلى مشاريع إصلاحية تخدم المصداقية المؤسسية.

إن تحول النقاش من فضاء «المقاهي والشوارع» إلى فضاء «المؤسسات وصنع القرار» هو الفارق الجوهري بين المجتمعات الراضية بالمظالم والمجتمعات التي تبني حلولاً ديمقراطية مستدامة. وهنا بالتحديد يتجلى الدور الاستراتيجي للمثقفين والنخب الأكاديمية، خاصة في مجالات العلوم السياسية والقانون الدستوري وعلم الاجتماع. لأنهم “الجسر الآمن” بين نبض المجتمع وبنية الدولة.

يتطلب هذا التحول أن تلعب النخب الأكاديمية والفكرية دورًا معقدًا يتجاوز التفسير إلى التأثير الحقيقي من خلال أربعة مسارات متكاملة:

1. تنظيم النقاش الوطني وتفكيك “الشعبوية”

المهمة الأولى للنخبة هي تحويل “القلق العفوي” و”الشكاوى الشائعة” إلى مفاهيم علمية يمكن قياسها وتحليلها.

تجنب التفسيرات السطحية. وفي الشوارع، يمكن اختزال أزمة المصداقية في “فساد الشعب”. ودور الباحثين هو بيان أنها أزمة هيكلية ومؤسسية تتعلق بآليات الحوكمة ومستويات الشفافية والهياكل التي تربط المسؤولية بالمساءلة.

تقديم البدائل العلمية: منع انعدام المصداقية من التحول إلى “العدمية السياسية” و”الحرمان من المؤسسات” من خلال شرح إمكانيات الإصلاح الدستوري والقانوني، وتوضيح أن الحل يكمن في “تحسين طريقة عمل المؤسسات”، وليس تدميرها أو تدميرها.

2. النزول من «البرج العاجي» إلى الفضاءات الرقمية والعامة

ولم يعد يكفي أن تنتج النخب أبحاثا رصينة مدفونة على رفوف الجامعات أو منشورة في مجلات خاصة. ولاستعادة مصداقية النخبة نفسها، فإنها تحتاج إلى مواكبة المجتمع في الفضاءات الحديثة.

تبسيط الخطاب الأكاديمي: ترجمة النظريات الاجتماعية والقانونية المعقدة إلى كبسولات معرفية ومقالات رأي مبسطة تلقى صدى لدى عامة الناس وتخاطب وعيهم بلغة واضحة ومتطورة.

الاستثمار في الإعلام البديل: إن الحضور المتوازن للأكاديميين على وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية يوفر أدوات تحليلية توفر تحليلاً نزيهاً، وتفكك الأخبار المزيفة، وتجعل المواطنين شركاء واعين في تقييم السياسة العامة بدلاً من مستهلكين للشائعات.

3. الوساطة العلمية وخلق “السياسات البديلة”

وتحتاج النخب الفكرية ومراكز البحث والبحوث الاستراتيجية إلى مأسسة دورها باعتبارها “قوى اقتراح” تقدم الحلول العملية.

وسيتم ذلك من خلال ترجمة مطالب الشارع بالنزاهة والأمانة إلى مقترحات تشريعية وإدارية ملموسة (آليات رقمنة الإجراءات للحد من التدخل البشري، وتطوير مدونات السلوك المهني، وتفعيل دور هيئات الحوكمة والنزاهة، وما إلى ذلك).

إنشاء “مؤشرات ثقة الجمهور”: تقوم الجامعات ومراكز الأبحاث بإجراء استطلاعات رأي عام علمية ومنتظمة لقياس مستوى ثقة الجمهور في المؤسسات المختلفة (برلمانات منتخبة، السلطة التنفيذية، السلطة القضائية، التعليم، وغيرها). وستمكن هذه البيانات الدقيقة الدول من معرفة أين تكمن “أوجه القصور في الاتصالات والمؤسسات” على وجه التحديد وتصحيحها.

إن المثقفين والنخب الأكاديمية ليسوا مجرد “مراقبين” للأزمة، بل هم عناصر عضوية قادرة على تحويل طاقة الشك وانعدام الثقة السلبية في الشوارع إلى طاقة إيجابية للبناء والعمل المدني النشط. وفقط عندما يرى عامة الناس أن “صوته الطبيعي” قد ترجمه الباحثون إلى أبحاث رصينة، ثم إلى مقترحات قانونية، ثم إلى إصلاحات ملموسة… فسوف تنشأ قدر أعظم من الثقة وتتأسس الثقة المستدامة بين المجتمع والدولة.

4. دور الطبقة السياسية في تحويل هذا النقاش في المجال العام إلى برنامج سياسي.

فإذا كان المثقفون والنخب الأكاديمية يمثلون «الروح» التي تحل أزمة المصداقية وتضع الحلول النظرية لها، فإن الطبقة السياسية (الأحزاب السياسية، البرلمانات، المنتخبون) تمثل «الهيئة التنفيذية» والآلية الدستورية الوحيدة القادرة على نقل هذه الأفكار من فضاء النقاش العام إلى واقع التشريع والسياسة العامة.

في الوضع الحالي الذي يعيشه المغرب، تواجه الطبقة السياسية تحديا مزدوجا. أولاً، تحتاج الطبقة السياسية إلى إعادة اختراع نفسها حتى تتمكن من استعادة الثقة المفقودة بين قطاعات واسعة من السكان، وفي الوقت نفسه تتحمل مسؤولية تحويل هموم الشارع إلى برنامج سياسي قابل للتطبيق.

ولتحقيق هذا الدور الحيوي، يجب عليها معالجة أربع واجهات أساسية.

1. التحول من “الأيديولوجية المرنة” إلى “البرنامج الفني التعاقدي”.

إن الخطوة الأولى في تحويل المناقشات حول المصداقية إلى برامج سياسية تتلخص في تغيير بنية هذه البرامج.

البرامج القابلة للقياس: لم يعد الناس يثقون بالشعارات العريضة (مثل «مكافحة الفساد» أو «تحقيق التنمية»). واليوم أصبح البرنامج السياسي الذي يتمتع بالمصداقية هو البرنامج الذي يقدم أرقاماً وتواريخ وميزانيات محددة. (على سبيل المثال الالتزام بأرقام محددة للحد من البطالة، أو المواعيد النهائية لرقمنة دوائر حكومية محددة).

الواقعية والجرأة في التعبير: تبدأ المصداقية السياسية بالتحدث بصراحة إلى الجمهور حول قيود الميزانية والقيود الاقتصادية. برنامج يعد بكل شيء لا يصدقه أحد. ومن ناحية أخرى، تعمل البرامج ذات الأولويات الواضحة وأساليب التمويل الواقعية على بناء الثقة.

2. مأسسة الاستماع وتنشيط “الديمقراطية التشاركية”.

ولا ينبغي أن يظل الاستماع إلى الناس في الأماكن العامة مبادرة فردية أو طوعية، بل يتطلب من الأطراف المعنية تحويلها إلى آلية عمل دائمة.

تفعيل النهج التشاركي: التواجد المستمر للمعقلين الحزبيين والمنتخبين على الأرض، ليس فقط خلال الحملات الانتخابية بل على مدار العام، لتحسس نبض الشارع وتحديث البرنامج السياسي على أساس الأولويات الحقيقية للشعب.

تفعيل العرائض والالتماسات: تفعيل الآليات الدستورية (مثل العرائض الموجهة للهيئات الإقليمية والبرلمانات) لتمكين المواطنين والمجتمع المدني من المساهمة في صنع القرار المحلي والوطني، ولضمان شعور المواطنين بأن صوتهم في الشارع هو امتداد للنظام القانوني.

3. ترجمة المطالب الفئوية إلى «مشاريع قوانين» وسياسات قطاعية.

البرنامج السياسي ليس مجرد كتيب يُطبع خلال الانتخابات، بل هو خطة عمل تُترجم داخل المنظمة على النحو التالي:

الالتزام القانوني القوي: ترجمة المخاوف العامة بشأن انعدام الثقة في المعاملات إلى قوانين صارمة تحمي المستهلكين، وتكافح الاحتيال، وتضمن صحة المنافسة الاقتصادية، وتعزز سبل حماية أولئك الذين يبلغون عن الفساد.

السياسة العامة المتعلقة بالعدالة الاجتماعية: غالباً ما تعود جذور أزمة الثقة في الحكومة والمؤسسات إلى الشعور بالظلم. إن البرنامج السياسي الناجح هو البرنامج الذي يعطي الأولوية لتحسين الخدمات الأساسية (الصحة والتعليم والنقل العام) باعتباره “المترجم الافتراضي” لمصداقية الدولة أمام شعبها.

4. دمقرطة النخب الحزبية وإرساء مبدأ “الاندماج داخل الحزب”.

لا يستطيع السياسيون إقناع الجمهور ببرامج حول “مصداقية الحكومة” ما لم يضعوا ذلك موضع التنفيذ داخل أحزابهم.

تجديد النخب والقدرات: فتح الباب أمام الشباب والنساء والأطر الأكاديمية (النخب الفكرية) للمساهمة في صنع القرار الحزبي وأخذ زمام المبادرة على أرض الواقع، بدلاً من الاعتماد فقط على “المشاهير” والولاءات الشخصية.

ربط المسؤولية السياسية بالمحاسبة الحزبية: الالتزام الصارم بالعمل الحزبي وعدم الدفاع عن أعضاء الحزب إذا ثبت مخالفتهم للأمانة والنزاهة. إن معاقبة الحزب لمن يقوضون الثقة داخل الحزب هي أعظم رسالة طمأنة للرأي العام.

ملخص:

اليوم، تقف الطبقة السياسية في المغرب على مفترق طرق حاسم. فإما أن يستمروا في خلق خطاب معزول عن ضجيج الشوارع، مما يؤدي إلى تفاقم «أزمة المصداقية والنزاهة المؤسسية»، أو أن يلتقطوا «الصرخات العفوية» للمجال العام ويذيبوها في برامج سياسية علمية وتشريعية وإدارية.

وفقط عندما يفهم المواطنون أن همومهم اليومية قد تُرجمت إلى أحكام في القوانين المالية وبرامج إصلاح القطاع الخاضعة للمراقبة والمساءلة، فسوف ينتقل المجتمع من “الشك المستمر” إلى “المواطنة النشطة والمشاركة النشطة”.

#المجتمع #المغربي #وقضايا #المصداقية

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات