إن الاحتفال بالمرأة في اليوم العالمي لحقوق المرأة وخطاب المساواة الرسمي لن يكون فعالا ما لم يصاحبهما نقاش عام صريح حول واقع الحريات وحدود المشاركة السياسية وطبيعة الضمانات التي توفرها الأنظمة القانونية والمؤسسية للنساء اللاتي يختارن حماية حقوقهن وحرياتهن.
لا يشكل واقع الناشطات في مجال حقوق الإنسان في المغرب ملفا حقوقيا ظرفيا أو قطاعيا، بل يمثل مقاربة بنيوية لفهم طبيعة التحول الديمقراطي، وحدود الحقوق والقانون، وأنماط سيطرة السلطة على الاختلاف والأصوات الناقدة في الفضاء العام.
أصبحت الناشطات في مجال حقوق الإنسان جهات فاعلة مركزية في إعادة تشكيل المجال العام من خلال مشاركتهن في القضايا التي تمس طبيعة العلاقات بين الدولة والمجتمع، من حرية التعبير، والحق في التنظيم، والعدالة الاجتماعية إلى قضايا الفساد، والإقصاء الاجتماعي، والعنف المؤسسي، والتمييز على أساس النوع الاجتماعي. ومع ذلك، فمن خلال كونها في قلب مثل هذه الصراعات حول السياسة العامة والمعنى السياسي للحقوق، أصبح نشاط المرأة في مجال حقوق الإنسان عملاً حساسًا للغاية في ميزان القوى.
وفي هذا السياق، توضع المدافعات عن حقوق الإنسان في موقف ضعيف ضمن معادلة سياسية تتسم بتراجع أدوات الوساطة، وسيادة المقاربات الزجرية في التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية والحقوقية، واستخدام القانون الجنائي كأداة مركزية لإدارة التوترات السياسية وإعادة ضبط المجال العام وفق منطق الردع.
وعندما يقترن هذا المسار بالبعد الجنساني للممارسات التقييدية، فإنه يصبح أكثر خطورة. لا يتم استهداف النساء فقط بسبب حقوقهن الإنسانية وقدراتهن كلاعبات سياسيات، ولكن أيضًا بسبب وضعهن الاجتماعي والرمزي كنساء.
ولا تقتصر العقوبة على القنوات القضائية، بل تمتد إلى القنوات غير الرسمية أيضًا، حيث يتم استخدام السمعة والحياة الخاصة والجسد والتعبيرات الأخلاقية العامة لتجريد الخطابات المتعلقة بحقوق المرأة من شرعيتها السياسية وتحويلها من أفعال انتقادية مشروعة إلى أدوات للإدانة الاجتماعية والأخلاقية. وهنا يتحول الفضاء الرقمي غالبا إلى امتداد مواز لفضاء النيابة القضائية، حيث تنطلق حملات تشهير منظمة، ويتداخل العنف الرمزي مع العنف القائم على النوع الاجتماعي، وحيث يتم استخدام الخطابات الجنسية والأخلاقية كأسلحة سياسية لتأديب المرأة وإقصائها من المجال العام.
تكشف القضايا المتعلقة بسيدة العلمي، وزينب كروبي، ونوزة مجدي، وابتسام لشكر، وغيرهم من المعتقلين من الطلاب والمتظاهرين وحركات حقوق الإنسان، بوضوح عن التداخل الهيكلي بين القانون والسياسة والنوع الاجتماعي. وتعتمد هذه الملفات متطلبات قانونية ذات صياغة عامة ومرنة في سياقات تتعلق أساسًا بالممارسة السلمية لحرية التعبير أو المشاركة في النقاش العام حول القضايا الاجتماعية وقضايا حقوق الإنسان.
ويلاحظ أنه في كثير من الحالات، تزامنت الإجراءات القضائية مع حملات تشهير رقمية مكثفة مصحوبة بخطاب جنساني عنيف يهدف إلى تشويه الصورة العامة للمدافعات عن المرأة وإضعاف مكانتهن الرمزية في المجال العام. ولا يمكن النظر إلى هذه القضايا كحالات معزولة أو معزولة، بل ينبغي قراءتها ضمن منطق أوسع لإدارة الخلافات السياسية والاجتماعية، حيث يتم إعادة إنتاج الردع من خلال أدوات قانونية وإعلامية واجتماعية متكاملة.
ويأخذ هذا النمط بعدا سياسيا أعمق عندما يتعلق الأمر بجيل جديد من الناشطين، وخاصة الشابات اللاتي ينتمين إلى مجموعة الناشطين المعروفة باسم الجيل Z. فهم يعيدون تشكيل أنماط السلوك السياسي من خلال الفضاءات الرقمية، ويفرضون أشكالا جديدة من المناصرة والمساءلة خارج القنوات التقليدية للأحزاب والمنظمات السياسية. إن استهداف هذا الجيل لا ينفصل عن السعي لاحتواء ديناميكيات اجتماعية ورمزية جديدة تهدد احتكار إنتاج الخطاب العام، وتعطل أدوات السيطرة التقليدية، وتفتح إمكانيات غير مسبوقة للتعبئة الاجتماعية المستقلة.
ويثير هذا الوضع تساؤلات جدية حول الجهود الاستباقية التي تبذلها البلاد لحماية المرأة من جميع أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف الرقمي والسياسي. كما تثير القضية تساؤلات عميقة حول مدى توافق الممارسة الفعلية مع الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، ومكافحة التمييز ضد المرأة، وضمان حق المشاركة في الشؤون العامة دون خوف أو ترهيب.
ويعكس هذا المسار أزمة ثقة متنامية بين الدولة والجهات الفاعلة في المجتمع المدني ويشير إلى تحول في فلسفة إدارة الشؤون العامة من منطق الشراكة والوساطة إلى منطق المراقبة والاحتواء. كما أنه يعيد إنتاج الخوف كآلية ضمنية لتنظيم المجال السياسي، خاصة بين النساء والشباب.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن تأثيراتها البنيوية على نوعية الديمقراطية. وعندما يتم إخراج المرأة من دائرة حرية الحركة والنقاش، يتقلص فضاء التعددية، وتختفي قضايا العدالة الاجتماعية والضعف والحقوق الأساسية من مركز النقاش العام، ويضعف دور رقيب المجتمع في مواجهة السلطة. وبالتالي فإن وضع المدافعات عن حقوق الإنسان ليس مسألة تضامن طائفي، بل هو مؤشر مركزي على صحة المؤسسات الديمقراطية نفسها، وقدرة الدولة على حماية التنوع والاختلاف والنقد المشروع.
وفي اليوم العالمي لحقوق المرأة، فإن أي حديث عن تقدم وتقدم وضعية المرأة في المغرب لا معنى له ما دامت الحرية نفسها موضع تساؤل، وما دامت المرأة محرومة من حق التعبير والاختلاف عن آرائها ومواقفها وممارستها المشروعة لحقوقها في العمل المدني والسياسي، وتلقى في طريق الاضطهاد والسجن.
من المستحيل الحديث عن العدالة للنساء نظرا لحقيقة أن آليات المتابعة القضائية والتشهير الممنهج والقيود الإدارية والعنف الرمزي والرقمي تُستخدم لإعادة محاصرة النساء في الأماكن العامة وحجب أصوات جميع النساء اللاتي يخترن مساءلة السلطة أو الدفاع عن كرامتهن وعدالتهن وحقوقهن. وفي الوقت نفسه، لا يمكننا أن نتجاهل معاناة الأمهات والزوجات والأسر التي ما زالت تعيش على الإيقاع القاسي لانتظار أبنائها في المعتقلات بسبب مواقفهم الحقوقية وانخراطهم السلمي في قضايا الحرية.
المعنى الحقيقي لهذا اليوم لا يتحقق من خلال الاحتفالات الرسمية أو البيانات الاحتفالية. بل يبدأ أولاً وقبل كل شيء بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع النساء والرجال المحتجزين بسبب آرائهم وتعبيرهم، وبوضع حد لاستخدام القانون كوسيلة للسيطرة على المجال العام وتجريم التقاضي المدني المستقل. علاوة على ذلك، فإن المطالبات بتحقيق المساواة والديمقراطية ستبقى خطابا فارغا ما لم يرافقها تحرير فعلي للفضاء المدني، وضمانات حقيقية لحرية التنظيم والتعبير والاحتجاج السلمي، واعتراف سياسي وقانوني واضح بالدور الهام الذي تلعبه المرأة والمدافعون عن حقوق الإنسان في دعم وحماية أسس الحقوق والقانون.
في الثامن من مارس لن نسعى لشعارات جديدة أو نحتفل بالالتزامات المؤجلة أو نطالب بامتيازات ثانوية. بل إننا نناضل من أجل ضمانات تحمي جميع النساء اللاتي يرفعن أصواتهن ضد الاحتكار والاستبداد وكافة أشكال وأنواع العنف دون تمييز.
يوم 8 مارس سعيد أيها السيدات!
#اعتقال #امرأة #يوم #مارس #صوت #المغرب









