الرئيسيةرياضةكيف أصبح المنتخب المغربي في مونديال 2026 ظاهرة اجتماعية تجاوزت الحدود الوطنية؟

كيف أصبح المنتخب المغربي في مونديال 2026 ظاهرة اجتماعية تجاوزت الحدود الوطنية؟

في أحد أجزاء البرازيل، كان الأطفال يركضون خلف كرة متحركة على الأسفلت المتصدع، ولكن ما أذهلني لم يكن شغفهم بكرة القدم، بل القمصان التي كانوا يرتدونها. وظهر اللون الأحمر المغربي مع نجمة خضراء بعيدا عن الرباط والدار البيضاء وورزازات والعيون.

وعلى بعد آلاف الكيلومترات، أبدى سياسيون وفنانون ومشاهير من مختلف الجنسيات تعاطفهم مع أسود الأطلس، فيما تم عرض قميص المنتخب المغربي في منصة لا تربط صاحبها بأي صلة بالمغرب أو جنسية.

لم يعد الأمر مجرد تشجيع لفريق يقدم أداءً جيدًا في بطولة عالمية. وهي ظاهرة اجتماعية وثقافية تستحق التأمل، بحسب قراءة رشيد الجرموني، أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل، الذي يرى أنه منذ مونديال قطر 2022، تجاوز المنتخب المغربي الحدود الرياضية الضيقة وأصبح رمزا عالميا للهوية والاعتراف والتمثيل.

وفي مقابلة مع دويتشه بريس، قال جارموني إن الاهتمام المتزايد بالمنتخب الوطني المغربي “يفتح الطريق أمام دوائر جديدة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الرياضية”. لأن القضية «تتجاوز الرياضة كلعبة وترتبط بالهوية الرمزية والانتماء».

فوز المغرب على اسكتلندا يمنح الزخم لأسود الأطلس (أ ف ب)

ومن وجهة نظر الباحثين المغاربة، بعد الإنجاز التاريخي في قطر، أصبح أسود الأطلس أكثر من مجرد فريق وطني. بالنسبة للكثيرين، أصبح تجسيدًا لنجاح دول الجنوب العالمي والدول العربية والإفريقية والإسلامية التي تمكنت من إظهار وجودها في الفضاء الذي هيمنت عليه القوى الأوروبية وأمريكا الجنوبية لعقود من الزمن.

ويوضح أن “المغرب نموذج لربط المحلي والعالمي في نفس الوقت”.

وعلى الرغم من أن اللاعبين يأتون من خلفيات مختلفة، بعضهم نشأ في المغرب والبعض الآخر في الشتات، إلا أنهم تمكنوا من بناء سردية جماعية تقوم على الانضباط والتعايش والالتزام.

وهنا يتذكر جارموني عمل الباحث البريطاني الراحل بنديكت أندرسون، الذي صاغ مفهوم «المجتمعات المتخيلة»، ويوضح أن كرة القدم بدأت في توليد أشكال جديدة من الانتماء تتجاوز الحدود السياسية التقليدية.

وأضاف: “رغم أن بعض المشجعين لا يحملون جنسية مباشرة في المغرب، إلا أنهم يشعرون بالانتماء إلى رمز النجاح الذي يمثله المنتخب المغربي”.

عندما يصبح عاصمة أو فريق وطني مميز علامة تجارية عالمية. لتفسير هذه الظاهرة، يعتمد جيرموني على أفكار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو حول “رأس المال الرمزي”.

وقال إن المغرب راكم رأسمالا رمزيا كبيرا في السنوات الأخيرة بفضل إنجازاته الرياضية، وأن المنتخب الوطني “لم يعد مجرد فريق كرة قدم، بل تحول إلى علامة تجارية عالمية”.

ولم يعد هذا التوازن يتعلق فقط بالقيمة السوقية للاعبين، بل ارتبط بقيم أخرى أكثر تأثيرا مثل المثابرة والانضباط والتنوع الثقافي وتقديم صورة إيجابية عن أفريقيا والعالم العربي.

وقال أيضاً: «يعتقد البعض أنه لم يكن من قبيل الصدفة أن تتمكن الفرق الناشئة من كسر احتكار القوى التقليدية، ولكن من خلال العمل الجماعي والتماسك والقدرة على التعايش داخل المجموعات».

ومن المشاهد التي لا تنسى هو رؤية الأطفال البرازيليين وهم يرتدون قمصان المنتخب المغربي، على الرغم من أن البرازيل نفسها تعتبر واحدة من أعظم القوى الكروية في التاريخ.

جماهير مغربية تعرض لوحات فنية بالملعب الأمريكي (EBA)

وهنا يعرض جيرموني ما يسميه “منطق البطل الآخر”. يُظهِر التحليل الاجتماعي أن عامة الناس في العالم يميلون إلى دعم الفرق التي تتحدى الهيمنة التقليدية وتخالف توقعات النظام القائم.

ويقول: “تمتلك البرازيل خمسة ألقاب عالمية، لكن بالنسبة لبعض المشجعين لم تعد هذه الألقاب تمثل الفريق السحري الذي كانت عليه من قبل”. بدأ السحر بالانتقال إلى المغرب.

وأضاف أن المغرب أصبح في المخيلة الجماعية لبعض المشجعين “رمزا لمقاومة الرياضة للهيمنة”، وهو ما يفسر تعاطف مشجعي أمريكا الجنوبية مع المغرب.

كما يوضح أنه بالإضافة إلى العلاقة العاطفية الخاصة بكرة القدم، توجد تقاطعات ثقافية عميقة بين المجتمعات المغربية وأمريكا اللاتينية، مثل مركزية الأسرة، وأهمية الدين، والاحتفال الجماعي في الفضاءات العامة.

يقول اليرموني: “يبدو الأمر كما لو أنهم يبحثون عن بطل بديل يمكنهم العثور عليه في المغرب”. “وهذا يعكس القرب الثقافي المتخيل.”

فوز المغرب على اسكتلندا يمنح الزخم لأسود الأطلس (أ ف ب)

ولكن لم تكن قدرته الرياضية فقط هي التي جذبت انتباه العالم. أصبحت صورة لاعب مغربي يحتفل مع والدته خلال مونديال قطر، واحدة من أكثر اللقطات انتشارا وتأثيرا في العالم.

ويعتقد اليرموني أن هذه المشاهد أسست لما يسميه “العاصمة الروحية للمنتخب المغربي”.

ويقول: “لقد كانت سابقة ملحوظة عندما نزل اللاعبون إلى الملعب للاحتفال مع أمهاتهم. لم تكن مجرد لحظة عاطفية، بل كانت بمثابة إحياء للقيم العائلية وصورة إيجابية للثقافة المغربية”.

وأضاف أن هذه الصور أعطت المغرب “ذخرا معنويا ورمزيا كبيرا” لأنها قدمت قصة مختلفة عن الصور النمطية السائدة عن المجتمعات العربية والإفريقية.

في عصر الشبكات الرقمية، لم يعد الانتماء يعتمد على الموقع. نقلاً عن أفكار عالم الاجتماع مانويل كاستيلز حول “مجتمع الشبكة”، يوضح جارموني أن وسائل التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل كيفية بناء الهوية والانتماء.

مع المقاطع والأفلام الوثائقية واللحظات الإنسانية المتعلقة بالمنتخب المغربي والتي انتشرت على منصات مثل تيك توك، يظهر المغرب كقوة ناعمة تتجاوز الحدود الجغرافية. ويعترف الباحثون بأن “الانتماء يتحدد بشكل متزايد من خلال السرد وليس الجغرافيا”.

لكن لماذا يعتبر زي المنتخب الوطني ظاهرة في حد ذاته؟ يرد جيرمان بأن الأنثروبولوجيا ترى أن الأزياء أكثر من مجرد قماش.

تُعد قمصان كرة القدم، بألوانها وشعاراتها ورموزها، وسيلة للتعبير عن هويتك.

“عندما يرتدي شخص ما قميصا مغربيا، فهو لا يعلن فقط عن دعمه لفريق رياضي، بل هو بالأحرى تماهٍ مع رواية معينة، مع قيم معينة، مع مجموعة رمزية معينة”.

وأضاف أن القمصان أصبحت “لغة اجتماعية صامتة”، خاصة في عصر المنصات الرقمية، حيث تتحول الصور الشخصية ومقاطع الفيديو القصيرة إلى إعلانات رمزية عن الانتماء والاختيار.

وفي نهاية المطاف، يرى رشيد اليرموني أن المنتخب المغربي أصبح أكثر من مجرد فريق وطني، بل أصبح ظاهرة اجتماعية وثقافية عالمية.

المغرب يستعد للمباراة أمام هايتي بكل عزيمة (أ ف ب)

إن اهتمام السياسيين والفنانين والمواطنين من مختلف الجنسيات به “يعكس تحوله إلى رمز للنجاح والاعتراف والتمثيل الإيجابي للعالم العربي وإفريقيا”.

وبالتالي فإن الأطفال في البرازيل الذين يرتدون القمصان المغربية، أو المشجعون في أقصى العالم الذين يحملون الأعلام المغربية في المدرجات، لا يؤدون عملاً رياضياً بسيطاً فحسب، بل يشاركون أيضاً، بوعي أو بغير وعي، في سرد ​​أوسع يتعلق بالهوية والاعتراف والعدالة الرمزية.

«أسود الأطلس» غادرت حدود الميدان ودخلت فضاء المعنى. وأصبح القميص المغربي “لغة اجتماعية صامتة” تعبر عن الالتزام بـ”المواطنة الرياضية العالمية”. إنها قصة بلد لم يعد يكتفي بأن يكون مصدرا، بل إنه يصدر ثقافة وقيما وقصة انتصار تلهم الهوامش وتجبرنا على الاحتفال بالطريق الوسط.

#كيف #أصبح #المنتخب #المغربي #في #مونديال #ظاهرة #اجتماعية #تجاوزت #الحدود #الوطنية

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات