جدد الأداء البرلماني لمحمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الابتدائي والرياضة، في جلسة الأسئلة الشفهية النهائية بمجلس النواب، الجدل حول طبيعة الملف المسند إلى أحد القطاعات الأكثر حساسية داخل المنظومة الحكومية المغربية، في ظل تنامي الجدل حول مدى ارتباط المسؤولين عن إدارة التعليم بالخبرة المباشرة في المجال التربوي.
وبرز اسم السيد برادة، القادم من عالم المال والأعمال، في هذا النقاش لأنه لا يملك خلفية أكاديمية أو مهنية مباشرة في قطاع التعليم، وعادت مسألة العلاقة بين الخبرة القطاعية ومتطلبات إدارة قطاع التعليم إلى الظهور، مقارنة بوزراء سابقين ارتبطت أسماؤهم بخلفيات أكاديمية أو تربوية ومسارات فكرية في مجالاتهم.
وبالإضافة إلى رئاسته لمجموعة ميشوك المتخصصة في صناعة الحلويات، عرف السيد برادة بنشاطه الاستثماري من خلال شركته BMPAR التي تنشط في مجالات متنوعة من بينها الصناعة الغذائية والتطوير العقاري، وباستحواذه على شركة Pharmaprom المغربية المتخصصة في تصنيع واستيراد وبيع الأدوية.
وسط هذا الجدل حول المعايير التي يجب اعتمادها عند اختيار رؤساء قطاع التعليم، يرى العديد من المراقبين أن المعرفة الدقيقة بنظام التعليم شرط أساسي لنجاح أي إصلاح، بينما يقول آخرون إن القدرة على إدارة السياسة العامة والحوكمة تظل العامل الحاسم، بغض النظر عن الخلفية المهنية للوزير.
وفي هذا السياق، أكد الأكاديمي ووزير الدولة للتعليم العالي والبحث العلمي الأسبق خالد الصمدي، أن المعايير التي يجب أن يعتمدها رئيس الوزراء عند اقتراح المسؤولين عن قطاع حساس كقطاع التعليم، يجب أن تكون دقيقة ومبنية على مجموعة من الشروط الأساسية.
وأوضح الصمادي، في تصريح لجريدة صوت المغرب، أنه نظرا لأن المسؤولين الذين يتولون وزارة التربية الوطنية يواجهون مجالا معقدا للغاية، فإن أول هذه الشروط هو الانخراط المباشر في هذا المجال ومعرفة تفاصيله بعمق، لكن مقابل الوقت المحدود للحكومة، لن يستغرق الأمر وقتا طويلا للتأقلم وفهم الملف.
وأشار المتحدث إلى أن الوزير السابق شكيب بنموسى أمضى فترة محدودة في إدارة الدائرة السرية التي كان من المفترض أن تضمن الاستمرارية، معتقدا أن المسؤولين في الدائرة والقادرين على فهم تفاصيلها يمكنهم الانتقال مباشرة إلى الإصلاحات الجذرية دون إضاعة الوقت في فهم البنية العامة للملف.
وأضاف أن قطاع التعليم والتدريب “حساس للغاية” والقدرة على التواصل مع الرأي العام شرط أساسي أيضا، خاصة أن هذا الموضوع يخص قطاعا يضم نحو 9 ملايين طالب وطالبة. لأن قطاع التعليم والتدريب “حساس جداً” ويحتاج إلى مسؤولين يملكون بيانات دقيقة ويستطيعون التواصل باللغة الوطنية، العربية. وبعبارة أخرى، فإن الاستجابة للرأي العام في هذا المجال تعني الاستجابة للأسر المغربية المتنوعة.
وأكد السيد الصمدي أن هذه القضية لها أهمية خاصة في المجالات التي تتطلب التواصل العميق مع المواطنين بلغة يفهمونها، حيث أن البيانات الصادرة حول هذه القضية تتم داخل البرلمان وتنقل إلى الرأي العام الوطني والدولي.
وأضاف المتحدث أن رئيس هذه الدائرة يشترط أن يكون على مستوى معين من الثقافة والوعي وأن يكون على دراية بالفرق بين الملفات الوطنية والدولية، مما سيساهم في إعطاء الصورة الصحيحة للمملكة المغربية.
وتابع أن المعرفة الميدانية ومهارات الاتصال واستيعاب المعطيات الوطنية والدولية، كلها شروط أساسية لحمل حقيبة التعليم والتدريب “حتى لا نقع في مثل هذه الاختلالات”، داعيا إلى توفير قدرات حقيقية يمكنها رفع مستوى الوعي وإعطاء البلاد صورة وطنية ودولية جيدة.
وبالإضافة إلى حسن الداودي وزير التعليم العالي والبحث العلمي والتدريب التنفيذي الأسبق، ذكر المتحدثون عدة أسماء تولوا المجال التعليمي من حيث احترافهم وخبراتهم الأكاديمية ومرتبطين به فعليا، مثل المرحوم محمد الوفا وزير التربية الأسبق، نظرا لخبرته وخبرته في إدارة الملفات المتعلقة بالتربية الوطنية والحوكمة.
وفي هذا السياق، أشار السيد الصمدي إلى أن الدستور عبارة عن رؤية استراتيجية للفترة 2015-2030 أعدتها أحدث هيئة دستورية كبرى، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والذي أصبح قانونا إطاريا ملزما بقيادة الملك محمد السادس، يهدف إلى كسر منطق “الانطلاق من الصفر مع كل مسؤول جديد” وضمان استمرارية سياسة التعليم.
وشدد الصمادي على أن القائمين على القطاع يجب أن يكونوا على دراية بالمسار الإصلاحي وأن يدركوا الأولويات الوطنية في قطاع التعليم، مختتما كلامه مضيفا أنه يرى أن السيد بردى لا يفهم الرؤية الاستراتيجية أو القانون الإطاري أو بالضبط ما تحقق في الحكومة السابقة وما يجب استكماله لاحقا.
ويرى الحسين الزاهدي، أستاذ التعليم العالي وخبير سياسة التعليم العام، أن نجاح إصلاح التعليم يرتبط بالدرجة الأولى برؤية واستمرارية ونوعية الحوكمة، وليس بالخلفية المهنية للوزير أو قادم من قطاع التعليم.
وأوضح الزاهيدي، في تصريح لصوت المغرب، أنه لا توجد قاعدة مطلقة بأن وزيرا من قطاع التعليم هو بالضرورة أفضل، وأن التواجد في قطاع التعليم “ليس مسألة ثانوية تماما”، مشددا على أن أهم شيء في إدارة التعليم هو الجمع بين المعرفة الدقيقة بمنظومة التعليم والقدرة على قيادة السياسة العامة وبناء التوافق.
وأضاف أن الوزراء ذوي الخلفية في هذا القطاع قد “يضيعون أحيانا في التسيير الفني” وبالتالي يفقدون الرؤية الاستراتيجية اللازمة لتدبير ملفات بحجم التعليم والتكوين، مؤكدا أن العامل الحاسم هو امتلاك الكفاءات اللازمة لإدارة السياسة العمومية والقدرة على قيادة فرق عمل تضم خبراء، بالإضافة إلى الاستماع الجيد لمختلف الفاعلين والمتدخلين في المنظومة التربوية.
وقال المتحدث إن القادمين من القطاع لديهم عادة وعي وفهم للثقافة التنظيمية للقطاع وقضاياه، وهو ما يعتقد أنه “لا يزال عاملا إيجابيا”، لكنه أشار إلى أنه “ليس كافيا” لضمان نجاح الإصلاحات المنشودة.









