الرئيسيةمجتمععندما يتراجع التصوف وتقدم الطقوس

عندما يتراجع التصوف وتقدم الطقوس

في المجتمع، لا نحتاج أحيانًا إلى تقرير استخباراتي طويل لنكتشف أن هناك خطأ ما في أعماقنا. صورة واحدة تكفي. وانتشرت صور صادمة على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي الصورة، ظهر أحد الأشخاص وهو ينحني لتقبيل قدمي أحد قادة الزاوية، وهو المشهد الذي أذهل الكثيرين باعتباره تعبيرا عن الخضوع أكثر من كونه تعبيرا عن الحب والاحترام. خطورة هذه الصورة ترجع إلى أنها التقطت بحضور مغاربة آخرين، وعلى رأسهم شباب، لا يزال من الممكن رؤيتهم في صور أخرى وهم يندفعون نحو سبتة بحثا عن أفق آخر، أو يهربون من واقع لم يعد في نظرهم كافيا للبقاء.

ورغم المسافة الجغرافية بين الصورتين، إلا أن هناك سؤال واحد بينهما. “ماذا حدث لنا؟!”

كيف انتقلت الصوفية المغربية، وهي في عز مجدها مدرسة الأخلاق والتواضع وتزكية النفس، من كونها ميدانا للتربية والسلوك إلى مظاهر العبادة المبالغ فيها والتنافس على المشيخة والبحث عن الهيبة والنفوذ؟ وكيف تحولت بعض الزوايا التي كانت منارات للعلم والهداية والأمان الروحي، إلى مساحات تثير تساؤلات مشروعة حول ماهية الصوفية، بل وحتى حول معنى المشيخة نفسها؟

والسؤال هنا ليس موجها إلى الصوفية في حد ذاتها، بل إلى بعض الصوفية في الممارسة الحديثة. لم تكن الصوفية المغربية في أصولها مشهدا أو سلما للتقدم الاجتماعي، ولم تكن المشيخة نظام حكم أو هيبة موروثة كما تورث الملكية. والتراث. الصوفية، قبل أن تصبح طريقة، اسمًا، سلسلة، كانت تعليمًا من إنسان إلى إنسان.

يبدأ المعنى العميق للتصوف بالحديث الشريف «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، ومن هنا ولدت فكرة الزهد والتسامح، أي أن الإنسان ينبذ رذائل النفس ويزينه بالأخلاق الحميدة. الطريق إلى الله يبدأ بتغيير السلوك، وليس بتغيير المظهر. إنه يأتي من تحسين نفسك، وليس من تمجيد الناس. ليس من إظهار الوقار والطاعة، بل من العلم والعمل.

لذلك، كان الشيخ في الصوفية المغربية التقليدية مربيًا وعالمًا. حفظ القرآن، وعلم الناس الدين، وهدى السالكين إلى الطريق. ولم يكن الرب ليخنق تلاميذه. وكانت الزاوية أيضًا مدرسة ومسجدًا ودار ضيافة ومكانًا للاجتماع. في الواقع، في مرحلة ما من التاريخ، كان الأمر أشبه ببرلمان اجتماعي أو دستور غير مكتوب، حيث كان الشيخ موجودًا كسلطة روحية، وعالم، وشخصية لها صوت في الحكومة المدنية.

لم تكن الزاوية مجرد مؤسسة دينية معزولة عن المجتمع. وكان لها دور اجتماعي ووطني، إذ ساهمت في حماية الحدود، وتعبئة مستعمري البلاد، ونشر التعليم، وحفظ القرآن، وتدريب العلماء. ومن خلال هذا التقاطع بين الدين والمجتمع، أصبحت الصوفية أحد روافد القوة الناعمة للمغرب وأحد جسور الإسلام السني المالكي الأشعري إلى المناطق النائية الأفريقية.

وإذا نظرنا إلى تاريخ المغرب وإفريقيا، يمكننا أن نرى أن هذا الإشعاع لم يأتي نتيجة الصدفة. وقد جلب علماء المغرب والصوفية معهم القرآن والعلم والعقيدة والعمل. أسسوا المدارس والزوايات، وعلموا الناس، وأقاموا تقاليد دينية لا يزال تأثيرها قائما في العديد من البلدان الأفريقية.

ويشكل هذا الغنى التاريخي جزءا من خصوصية المغرب الدينية، التي تقوم على تشابك المذهب الشيعي، والمذهب المالكي، والصوفية السنية، وإمامة المؤمنين.

ولذلك فإن الحديث عن الصوفية لا يعني هنا الحديث عن زاوية أو مقاربة، بل عن جزء من ذاكرة المغرب الدينية والثقافية.

لكن عندما تصبح الإمارة مسرحا للصراع، وحين يتحول المريدين إلى أتباع أفراد، وحين يصبح اسم الطريقة عنوانا مؤثرا، فإننا نواجه شيئا آخر غير الصوفية التي يعرفها المغرب.

والسؤال الأكثر إثارة للقلق هنا هو: منذ متى انتقلت التصوف إلى الأطفال؟

هل العلاقة الحميمة مع الله تقليد عائلي؟ هل تنتقل البر بالدم؟ وهل يمكن للمرء أن يصبح رئيسًا بمجرد ولادته في عائلة الزعيم؟ ولا يترك القرآن مجالاً للغموض عندما يقول: “إن الأكرم عند الله هو الأتقى”. فالمعايير هي التقوى والعلم والعمل والأمانة، وليس النسب أو الاسم أو الشهرة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للصوفية هو أنها تتحول من التعليم الروحي إلى بنية الامتياز الاجتماعي أو السياسي. عندها لا يعود التلميذ يسعى إلى استحسانه، بل إلى استحسان الرئيس. لم يعد الرئيس مهووسًا بتنمية التلاميذ، بل بزيادة الأتباع. ويبدأ المسار يفقد معناه، إذ تتحول العلاقات الروحية تدريجياً إلى علاقات ولاء شخصي.

إن الصوفية التي علمت الناس التواضع، لا يمكن أن تبرر إذلال التلميذ، ولا يمكن أن تكون محبة الزعيم مرادفة لإبطال شخصية التلميذ.

والأمر الأكثر إثارة للتساؤل هو أن بعض المظاهر الطقسية بدأت تستعير شكل المراسيم والبروتوكولات الملكية الرسمية، مما قد يوحي بأن المشيخة أصبحت مؤسسة مستقلة لها طقوسها الخاصة في السلطة والهيبة. وهنا لا بد من التمييز بين الاحترام الواجب وخلق هالة شخصية تتجاوز حدود التربية الدينية.

لقد نجح المغرب تاريخيا في بناء نموذجه الديني المتألق، وهو الآن يدرب الأئمة والمرشدين والمرشدات، ويبني جسورا علمية وروحية مع العديد من الدول الإفريقية من خلال مؤسسة محمد السادس لعلماء أفريقيا. ولا ينبغي ترجمة هذا التوازن إلى مجرد صورة رسمية، بل يجب حمايته بشكل دائم من كل ما قد يشوه معناه.

وهذا يثير تساؤلات حول الدولة، وخاصة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وذلك لأن الدولة هي المؤسسة المسؤولة عن إدارة الشؤون الدينية في إطار الإمارة الموالية وحماية ثوابتها. فهل حان الوقت لبدء نقاش هادئ ومسؤول حول وضع بعض الطرق والزاوية ومظاهر الممارسة الصوفية اليوم؟

فالمطلوب ليس محاربة التصوف، ولا التضييق على أركانه، ولا مصادرة حق الناس في الدين وفق خياراتهم المشروعة وفق ثوابت الدولة. والمطلوب هو شيء أبسط وأعمق: إعادة الصوفية إلى أصولها ومنابعها، وليس عبر المؤسسات. العودة إلى التعليم قبل الحفل. الصوفية المغربية مرآة للمعرفة ما قبل الإماراتية والوجه الديني المشرق للمغاربة. التواضع قبل الكرامة. خدمة الناس قبل بناء الأتباع. طهر نفسك قبل عبادة الشيخ.

إن الصوفية المغربية، التي حملت نور الإسلام إلى أفريقيا وساهمت في بناء الشخصية الدينية للمغرب، تحتاج إلى الحماية ممن يهينونها باسمها، أكثر من حاجتها إلى الدفاع عنها في وجه خصومها.

ولعل الرسالة السامية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى المجلس الأعلى للعلوم، والتي دعا فيها إلى تنظيم احتفال وطني حاشد لإحياء ذكرى القرن الخامس عشر لمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، هي دعوة لجعل السيرة النبوية مشروعا حضاريا، ومنارة تهتدي بها الأجيال، وتتيح لنا فرصة العودة إلى السؤال الأكبر، وهو أي نوع من التدين نريد أن ننقله. لأطفالنا؟

دين يرعى الناس بالرحمة والكرامة والنزاهة، أم دين تقتصر فيه الروحانية على طقوس الناس؟

وإذا عادت الصوفية إلى جذورها، خاصة في خضم التحول الحضاري العالمي بما يحمله من قلق متأصل، فإنها تمتلك القدرة على أن تصبح مدرسة فكرية كبرى لاستعادة المعنى في عصر يتضاءل فيه المعنى. أما إذا ظل أسير الصراعات على المشيخة والمظاهر المبالغ فيها والامتيازات والهيبة، فلن تكون المشكلة مع الصوفية، بل مع من عذبوا الصوفية من مختلف المناصب الإدارية والاجتماعية.

هناك ما هو أكبر من التناقض أو السقوط بين صورة المريد الذي ينحني لتقبيل الزعيم وبين الصراع الخبيث على مشيخة الزاوية. يصدر إنذار صامت.

إننا اليوم بحاجة إلى جهد لإعادة الملائكة إلى المسار الصحيح وإعادة الصوفية إلى معناها الأصلي: أن الطريق إلى الله هو الطريق إلى الإنسانية، وليس طريق السيطرة والإذلال.

#عندما #يتراجع #التصوف #وتقدم #الطقوس

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات