الرئيسيةصوت وصورةبرحيل عبد الرحمان الرقساسي يفقد المغرب صوته البارز.

برحيل عبد الرحمان الرقساسي يفقد المغرب صوته البارز.

استسلم إيمجوري

برحيل العلامة والباحث عبد الرحمن الركزاسي، فقد العالم الأكاديمي والثقافي المغربي أحد أبرز باحثيه، الذي كرّس مسيرته العلمية لفهم المجتمع والثقافة والذاكرة. لقد ترك وراءه مسيرة علمية غنية امتدت لعدة عقود، مع اهتمام خاص بالتراث والأدب والشعر الأمازيغي، فضلا عن البحث الحافل في الأنثروبولوجيا المغربية وجوانب الثقافة المادية وغير المادية.

وطوال حياته المهنية كعالم، اختار الراحل الاقتراب من المجتمع المغربي من خلال دراسة تفاصيله اليومية وتاريخه الثقافي. ولم يتعامل مع الثقافة كموضوع جامد، بل سعى إلى تفكيك التحولات التي شهدتها البنى الاجتماعية والفكرية وربطها بالسياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية. ولذلك انتشرت اهتماماته في مجالات متعددة، من الفكر والحضارة الإسلامية إلى الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، ومن دراسة الصوفية والممارسات الدينية إلى الأدب والشعر والثقافة الأمازيغية.

وظهر اسم عبد الرحمن الركاسي تحديدا في الدراسات التي سعت إلى قراءة المجتمع المغربي من الداخل، من خلال الاهتمام بالعادات المتراكمة والذاكرة الشعبية وأشكال التعبير الثقافي. وقد وفر هذا النهج مقدمة لفهم جوانب محددة من الحياة المغربية، مثل العلاقات الاجتماعية ونمط الحياة والتقاليد وطرق التعبير عن الهوية والانتماء.

ومن أبرز الأعمال المرتبطة باسم المتوفى كتابه الذي شارك في تأليفه عن تاريخ الشاي المغربي «من الشاي إلى الشاي: العادات والتاريخ» الذي شارك في تأليفه مع المؤرخ عبد الأحد السبتي. موضوع هذا الكتاب لا يقتصر فقط على دراسة المشروب الذي أصبح راسخا في الحياة اليومية المغربية، بل الشاي كبوابة لفهم المجتمع وتحوله، من هياكل السلطة التقليدية إلى العلاقات الاجتماعية والمكانية، ومن أساليب التبادل والتغذية إلى الأذواق ومساحات التفاعل.

أثبتت هذه الدراسة قدرة كاساسي على تحويل التفاصيل البسيطة للحياة اليومية إلى موضوعات للبحث العلمي من خلال ربط العادات الاجتماعية بالتاريخ والثقافة والاقتصاد. كما يعكس اهتمامه بالتفاعل بين الثقافة الشفهية والأكاديمية، وهو الاهتمام الذي لا يزال حاضرا في العديد من أعماله ودراساته.

كما كان الباحث الراحل منفتحا على دراسة المجتمعات القبلية المغربية، وتناول في هذا المجال قضايا تتعلق بالبنية الاجتماعية والهرمية، والعلاقات مع السلطات المركزية، وتأثير وجود الأجانب على المجتمعات المحلية. كما اهتم بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت في تكوين العلاقات بين القبائل المغربية، وسعى إلى تجاوز الصور النمطية التي اختزلت المجتمعات التقليدية في تصورات جامدة.

وامتد هذا الاهتمام إلى الثقافة الأمازيغية، واحتل مكانة مهمة في مشاريعه الفكرية والعلمية. اشتغل بالأدب والشعر الأمازيغي، واهتم بالذاكرة الشفهية والإنتاج الثقافي والأساطير والمعتقدات الشعبية والأغاني. كما بحث في حضور الثقافة الأمازيغية في مجالات متنوعة، من الأدب إلى السينما والمسرح.

وفي نفس السياق، انشغل عبد الرحمن ركني بصورة المرأة في الكتابات القانونية الأمازيغية، وسعى إلى قراءة تمثيلات المرأة في النصوص والثقافة المحلية. وهذا يعكس اتساع اهتمامه بالإنسان والمجتمع والهوية، ولم يقتصر على الجوانب النظرية للأنثروبولوجيا.

كما تتقاطع أبحاثه مع دراسة الشعر والتاريخ والذاكرة، وقام بالتعاون مع الباحث كينيث براون بدراسة المواد المتعلقة بالأحداث التاريخية في منطقة سوسة القرن التاسع عشر، مستكشفا العلاقة بين التراث الشفهي والأدب الأمازيغي المكتوب، وما يمكن أن يكشفه الشعر والقصص الشفهية عن المجتمع وتحوله.

احتل فكر ابن خلدون مكانة مهمة في المسار التكويني والعلمي للمتوفى، قبل أن ينتقل إلى الدراسات الأنثروبولوجية المتعلقة بالمجتمع المغربي بشكل أوسع. أتاحت له هذه الرحلة العلمية تطوير رؤية متعددة الأبعاد تجمع بين التاريخ والأيديولوجية والأنثروبولوجيا والثقافة، والتعامل مع المجتمع باعتباره مساحة متحركة تتقاطع فيها الذاكرة والهوية والسلطة والعادات.

كطالب، واصل لاكساسي العمل على قضايا الثقافة والهوية، وظل مخلصًا لفكرة دراسة التفاصيل القريبة من الإنسان. وهذه إحدى الخصائص التي تميز اهتمامه بما يعرف بأنثروبولوجيا القرب. وقد دفعه ذلك إلى الاهتمام بالمجالات الثقافية المحيطة بالمجتمع والأشكال التي يعبر بها الناس عن ذكرياتهم ووجهات نظرهم العالمية.

وكشف مساره الأكاديمي والمهني عن تجربة علمية متعددة المستويات. درس في الجامعة الأميركية في بيروت ثم واصل طريقه في فرنسا، حيث قادته خبرته العلمية أيضاً إلى جامعة السوربون. ثم عاد إلى المغرب وواصل عمله الأكاديمي والتدريسي والبحثي، مشاركا في بناء رصيد علمي يتعلق بدراسة المجتمع والثقافة المغربية.

وقد خلفت وفاته صدى واسعا في الوسط الأكاديمي والثقافي، خاصة بين الزملاء والطلبة والباحثين الذين اطلعوا على أعماله. وارتبط اسمه بجيل من الباحثين الذين ابتعدوا عن الأحكام الجاهزة وأعادوا قراءة المجتمع المغربي، مقتربين من تفاصيله الثقافية والاجتماعية وساعيين إلى فهم التحولات التي شهدها عبر التاريخ.

كما يظهر الجانب الإنساني في شخصيته في روايات معاصريه، إذ كان يتمتع بفضول معرفي واسع وعقل متسائل باستمرار. كان لديه شغف بالبحث منذ صغره واستمر في القيام بذلك طوال حياته المهنية. ولم يكن اهتمامه بالثقافة الأمازيغية منفصلا عن مشروعه العام، بل ضمن المنظور الأوسع لفهم الإنسان في بيئته الاجتماعية والثقافية وقراءة أسئلة الهوية والذاكرة والتراث من منظور علمي ونقدي.

وبعد وفاته، ترك عبد الرحمن الركاسي وراءه إرثًا علميًا يتجاوز الكتب والأبحاث التي شارك فيها. ويتضمن نظرة خاصة للمجتمع المغربي ترتكز على الاستماع إلى الذاكرة الشعبية، ومقاربة الثقافة اليومية وربط التراث بالتحول التاريخي. ولذلك يبقى اسمه في مسار البحث الأنثروبولوجي بالمغرب، خاصة في الدراسات التي تكون فيها الثقافة والذاكرة والتراث الأمازيغي موضوع دراسة وتحليل.

وستعيد استقالته إلى الواجهة قيمة الباحثين الذين اختاروا البقاء بعيدا عن الأضواء والعمل في مجالات تتطلب الصبر الطويل ومراكمة المعرفة من أجل تسجيل جوانب من ذاكرة المغرب وحمايتها من النسيان. وبينما يودع الوسط الجامعي والثقافي شخصية بارزة، تبقى أعمال عبد الرحمن ركاشي شاهدة على مسار علمي جعل المعرفة وسيلة لفهم المجتمع والإنسانية، وجعل من دراسة التراث والهوية جسرا بين الماضي والحاضر.

#برحيل #عبد #الرحمان #الرقساسي #يفقد #المغرب #صوته #البارز

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات