الرئيسيةالتربية والتعليمتقييم عقد الإصلاح التربوي 2015-2030، الجزء الأول: المدارس المغربية بين جمال الكتابة...

تقييم عقد الإصلاح التربوي 2015-2030، الجزء الأول: المدارس المغربية بين جمال الكتابة وصرامة الميدان – اليوم 24

نظرة عامة – الإطار والمنهجية

لا يمكن اختزال تقييم السياسة التعليمية في مجرد تعداد العناصر المكونة لها. بل نحن بحاجة إلى نهج صارم يستند إلى مواد مرجعية تسمح لنا بتجاوز الوصف وإصدار أحكام تحليلية حول فعالية التدابير المتخذة وتأثيرها.

وبناءً على هذا المنظور، يستخدم هذا التقرير “الإطار المتكامل لتقييم جودة التعليم” الذي طورته مؤسسة مكان لجودة التعليم. وهو إطار يستمد الإلهام من أفضل الممارسات الدولية، لا سيما تلك التي اعتمدتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، ويتم تكييفه بعناية مع خصوصيات نظام التعليم المغربي، مما يوفر شبكة قراءة صارمة تكون شاملة كمرجع ومحلية في السياق.

يتكون هذا الإطار من أربعة معايير رئيسية تحكم عملية التقييم. الأول، “الملاءمة والتماسك”، يختبر قدرة السياسة العامة على الاستجابة للاحتياجات الفعلية للسكان والامتثال للأهداف الاستراتيجية الوطنية. أما المحور الثاني فهو “الفعالية والكفاءة” ويقيس مدى تحقيق النتائج المرجوة وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المستخدمة. أما المحور الثالث، وهو “جودة العملية والتنفيذ”، فيتناول حوكمة الجهات الفاعلة وتنسيقها وتمكينها. أما المحور الرابع، وهو “الاستدامة والتعميم”، فهو يقيم قدرة السياسة على خلق تأثيرات دائمة ونطاق واسع في مناطق أخرى.

وينقسم هيكل هذا الإطار إلى أربعة أبعاد استراتيجية رئيسية: الرؤية والتخطيط. الإنتاج التربوي والتنظيمي. التتبع والتقييم وضمان الجودة. التكيف والتحول الاستراتيجي. وتنقسم هذه الأبعاد إلى 16 مجالًا، يحتوي كل منها على معايير وإرشادات ومؤشرات محددة تشكل معًا الهيكل القياسي لعملية التدقيق.

تعتمد منهجية إجراء هذا التدقيق على أربع مراحل متتالية. الأول هو التحكم في الإطار المرجعي، وتصنيف كل مؤشر لتحديد الأدلة المتوقعة، ورسم خريطة للسياسة العامة للكشف عن آلياتها التشغيلية. تستخدم المرحلة الثانية تقنيات التثليث الصارمة لجمع الأدلة. وهذا يعني تحليلًا متعمقًا للوثائق التشريعية والأدلة والتقارير. مقابلات شبه موجهة مع المصممين والممثلين في الموقع. ومراقبة المشروع في العمل بشكل مباشر. أما الخطوة الثالثة فهي إخضاع الأدلة المجمعة لقواعد المطابقة ومقارنتها بمتطلبات الإطار وفق مقياس واضح وعملي للمطابقة أو المطابقة الجزئية أو عدم المطابقة أو عدم التطبيق. وأخيراً، تلخص المرحلة الرابعة من صياغة التقرير هذه الحقائق في تحليل مفصل مع جداول رئيسية لاستخلاص توصيات قابلة للتنفيذ ومحددة الأولويات ومستهدفة بدقة.

ويغطي هذا التقييم فترة 10 سنوات من 2015 إلى 2025. وكان هذا العقد فترة مهمة لتزويد نظام التعليم المغربي برؤية استراتيجية للفترة 2015-2030، والتي ترد ترجمتها القانونية في القانون الإطار 51.17. ومن خلال هذا النهج الشفاف والمنهجي، هدفنا هو تجاوز مجرد المراقبة وتزويد صناع القرار ببوصلة موثوقة، مما يسمح لهم بتحديد الثغرات في الملاءمة، والاستثمار في نقاط القوة، والتحرك في الاتجاه الصحيح. إن المخاطر كبيرة، ونحن جميعًا نهدف إلى المساعدة في بناء مدارس أكثر عدلاً وفعالية، وأكثر ثباتًا للمستقبل.

المعيار الأول: الرؤية الإستراتيجية التشاركية وتكامل القيمة.

تمر المدارس المغربية حاليا بمرحلة حساسة بل وحرجة. نادراً ما خضع نظام التعليم لمثل هذا القدر من الإصلاحات، وعقد هذا العدد من الندوات، وحشد هذا العدد الكبير من الخبراء لإعادة تصميم النظام. لكن المفارقة المركزية هي أن الفجوة بين طموح النص وإيقاع الواقع لم تكن أبدا واسعة إلى هذا الحد. إن تقييم المعيار الأول لسياستنا التعليمية، وهو “الرؤية الإستراتيجية التشاركية وتكامل القيم”، يكشف عن معضلة أساسية. وهذا يعني كيفية التوفيق بين الكمال الشكلي للوثائق والفوضى المعقدة في هذا المجال. إن الجواب، مهما بدا قاسيا، يؤدي إلى عواقب رمادية، وشجاعة الاعتراف يجب أن تسبقها شجاعة الإصلاح.

إغراء النجاح الرسمي

ومن الطبيعي أن نعترف بجهودهم. على مدى العقد الماضي، زود المغرب نفسه بهندسة استراتيجية عظيمة. لم يتم إنشاء رؤية 2015-2030 خلف أبواب مغلقة، ولكن بعد سلسلة غير مسبوقة من المشاورات، بما في ذلك أكثر من 64000 مشارك، وندوات انتشرت في 12 منطقة من المملكة، وجلسات استماع عامة رسمية لـ 26 نقابة وجمعية. على المستوى الإجرائي، تعتبر هذه المبادرة مثيرة للإعجاب، وقد أثبت المغرب من خلالها أنه من الممكن اختراق الجدران الإدارية المغلقة نحو مساحة أوسع للمشاركة.

وهذا الانفتاح ينعكس بوضوح في نص القانون. إن القانون الإطاري رقم 51.17، وهو الذراع التنفيذي للرؤية، ليس مجرد بيان عابر للنوايا. وتكررت كلمات “المساواة” و”الحقوق المدنية” و”العدالة الاجتماعية” أكثر من 40 مرة. وفي الواقع، ينص الفصل 3 على أن نظام التعليم مبني على قيم الهوية المغربية والمواطنة الديمقراطية. وقد تمت إعادة هيكلة الكتب المدرسية في مجالات التربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا على وجه الخصوص، بحيث تتضمن مفاهيم التسامح والتعايش. لقد جعلت خارطة الطريق للأعوام 2022-2026 من “الكفاءات المستعرضة” ركيزة أساسية، واضعة استقلالية المتعلم والانتماء في صميم أهدافها.

لذا، من الناحية النظرية، يبدو أن هذا النظام قادر على الصمود في وجه النقد. بل على العكس من ذلك، فقد زودت المغرب بآليات تتبع رائعة، بدءا من نظام المعلومات “مسار” إلى تقرير المجلس الأعلى للتربية مرورا بـ”المؤشر الوطني لتطوير التعليم” الذي يضم 157 مؤشرا مركبا لتوجيه عملية الإصلاح. لقد قمنا بتغيير البرنامج النظري، لكن المشكلة الأكبر هي أن البرنامج الخاص بالجهات الفاعلة في الميدان لم يتم تحديثه بعد.

سراب المشاركة الحقيقية

لكن المأزق الأول والأخطر يكمن في طبيعة هذه «التشاور» نفسها. وذلك لأن الانتقال من الرؤية الاستراتيجية إلى القانون الإطاري كان بمثابة غربال سياسي. وإذا كان هناك إجماع على المبدأ الأساسي المتمثل في العدالة، فإن القضايا الشائكة، بدءاً من لغة التدريس إلى حرية التعليم العالي ووضع أعضاء هيئة التدريس، كشفت عن انقسامات عميقة بين من هم في القمة ومن هم في الأسفل. وقد تم الاستماع إلى مساهمات الجهات الفاعلة المحلية، لكنها لم تحقق الأثر المنشود في العديد من الأماكن. والأمر المفقود بشكل حاسم هو “سجل المساهمات” الذي من شأنه أن يوضح مصير كل اقتراح ويحافظ على شفافية المناقشة.

ويترك هذا النقص في الشفافية أثرا واضحا. إن الاحتجاجات الاجتماعية المتكررة، ولا سيما الإضرابات واسعة النطاق في عامي 2023 و2024 بسبب النظام الأساسي الموحد للأساتذة، ليست مجرد علامة على العبور، بل هي مقياس حرارة للتوترات المتراكمة. ووفقاً لدراسة استقصائية أجرتها وكالة تصنيف وطنية، يعتقد حوالي 45% من المعلمين أن مناخ مدرستهم لم يعد ملائماً لتوصيل القيم. وعلى الرغم من تنفيذ صيغة المشاورة، إلا أن الشعور بـ “الإحساس المشترك بالملكية” فيما يتعلق بالإصلاح يظل سراباً. تحدثنا عنه، لكننا لم نبنيه معًا، فالفرق كبير، والثمن باهظ بالنسبة للسلم الاجتماعي.

الفجوة بين الممارسة والوعي

لكن الجروح الأعمق تكمن في طبقات الإدراك والممارسة. ويرتبط المقياس الثالث لتقييمنا برضا الجهات الفاعلة وهو أمر غير مثير للجدل. ورغم أن النص يعلن الشمولية والمساواة، إلا أن الممثلين يعيشون في واقع متعدد السرعات. الأرقام هنا تتحدث عن نفسها. وفقًا لنتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلاب لعام 2022، يقول ربع (25%) الطلاب المغاربة إنهم يشعرون بأنهم “غرباء” أو منبوذون داخل مدرستهم، مقارنة بمتوسط ​​20% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. هذا الشعور بالانفصال هو بمثابة دعوة للاستيقاظ.

وهذا، جنباً إلى جنب مع الهجرة الهادئة ولكن واسعة النطاق إلى القطاع الخاص، يجتذب الآن أكثر من 17% من الطلاب، وتتجاوز هذه النسبة 70% في المدن الكبرى. وهذه ليست مجرد خيارات تعليمية، بل إنها بمثابة تصويت بالرفض من جانب الأسر التي لم تعد تثق في قدرة المدارس العامة على أداء وظائفها الاجتماعية. وعلى الرغم من جمال الخطة، إلا أن الواقع يظل قاسيا عندما يتعلق الأمر بالتعليم الدامج للأطفال ذوي الإعاقة. لا يمكن تحقيق الشمول في الموقع بسبب النقص الشديد في المرافق ومعدات البناء.

لذلك، هناك فجوة كبيرة بين خطاب «السلطة» والممارسة «على أرض الواقع». فمناقشات القيم غالبًا ما يقرأها المعلمون باعتبارها عبئًا إضافيًا دون أي إجراءات مصاحبة. نحن نقيم المعرفة النظرية بالقيم، لكننا نتجاهل الممارسة المدنية الفعلية. نحن نغمر الكتب المدرسية بالمفاهيم المجردة ولكننا لا نقيس التأثير السلوكي على المتعلمين.

القيادة مع الحواجز المؤسسية

كيف نفسر هذا الانفصال المزمن؟ وهنا يأتي دور المقياس الرابع، المتعلق بالتتبع والمساءلة. يمتلك المغرب أدوات قيادية من الدرجة الأولى، لكن استخدامها يعوقه حواجز مؤسسية. إن تقارير وكالات المراجعة الوطنية، التي من المفترض أن توجه عملية صنع القرار في الوقت الحقيقي، غالباً ما يتم نشرها متأخراً لمدة عامين، مما يفقد قيمتها التصحيحية. والأخطر من ذلك هو أنه منذ عام 2023، أصبح حياد التقييم موضع تساؤل من قبل الجهات الحكومية، حيث تم إسناد مهمة تقييم “المدارس الرائدة” إلى جهة حكومية، هي المرصد الوطني للتنمية البشرية، وليس إلى جهة مستقلة. كيف يمكنك القيادة بثقة عندما يكون المراقب على متن القارب نفسه؟

النتائج تتحدث بوضوح عن نفسها. يبدو هدف تحقيق تعميم التعليم الابتدائي بنسبة 100% بحلول عام 2028 بعيد المنال، إذ لم تتجاوز النسبة 70.4% عام 2024. وبدلا من أن ينخفض، زاد الهدر في المدارس بأكثر من 56 ألف تلميذ بين عامي 2021 و2024. وفي مجال اكتساب المهارات الأساسية، كان هذا التشخيص مفاجئا. أقل من 40% من التلاميذ يصلون إلى المستوى المطلوب في فهم القراءة وأقل من 40% في قراءة الخرائط. وبينما حققنا تقدمًا مطردًا على مستوى المدخلات مثل المباني والموظفين والميزانيات، فقد فشلنا فشلاً ذريعًا في إحداث تأثير حقيقي على جودة التعلم.

تخلص من النص المتضخم

في نهاية هذا التحليل، لا مفر من إصدار أحكام قاسية ولكن صادقة. أي أن المعيار الأول قد تم استيفاءه جزئيًا بشكل عام. قوة المغرب تكمن في قدرته على الصياغة والتوثيق والعرض، لكن ضعفه الأكبر يكمن في قدرته المتعرجة على تحويل الأقوال إلى أفعال وتجسيد القيم في تفاصيل الحياة المدرسية اليومية.

نحن نعاني من “تضخم النص” المفرط. وكنا نعتقد أن إعلان العدالة الاجتماعية كافٍ لجعلها واقعاً ملموساً. وننسى أن الثقة لا تنشأ بالأوامر، بل بالعمل المتواصل، والاستماع الصادق، والتقييم الصادق. إن المدرسة التي تحتضن الحقوق المدنية، وتعامل المعلمين بعين الشك، وتعلن العدالة، وتتسامح مع نظام السرعتين، هي مدرسة ستكون مفتوحة للشك من رعاتها.

وتضميد هذا الجرح لا يحتاج إلى تقرير جديد أو فصل إضافي في القانون، بل إلى انتفاضة سياسية شجاعة. وهذا يعني استعادة حيادية التقييم، وإعطاء أدوات عملية للعاملين في هذا المجال، وفي المقام الأول، الاعتراف بأن القيم لا يتم تدريسها في الكتب فحسب، بل إنها تُعاش في فناء المدرسة، وفي العلاقات التعليمية، وفي تماسك الخطاب والعمل.

إن إصلاح المدارس ليس مهمة الخبراء وحدهم، ولا يمكن اختزاله في القضايا المعيارية الجافة. ذلك يعتمد على مستقبل عقدنا الاجتماعي. إذا أردنا أن تستعيد المدارس المغربية مكانتها باعتبارها بوتقة للعدالة والتقدم، فيجب علينا أن نتعلم الاستماع مرة أخرى، والتقييم بأمانة، وتصحيح المسار بناءً على الحقائق على الأرض بدلاً من الأوهام البيروقراطية. لا يزال الطريق طويلا وصعبا، ولكن الاعتراف بحقيقة أوجه القصور هو الخطوة الأولى والأكثر أهمية على طريق الإصلاح.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات