حسين زاهدي
توضح المعطيات الإحصائية الرسمية، سواء الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أو المقدمة إلى البرلمان من قبل وزير التربية الوطنية والتعليم الابتدائي والرياضة، أن ظاهرة الانقطاع عن الدراسة في المغرب ليست ظاهرة ظرفية ولا مرتبطة بحكومة معينة، بل هي أزمة طويلة الأمد ذات طبيعة مزمنة ترافق النظام التعليمي منذ سنوات طويلة. وتظهر الأرقام المتاحة منذ عام 2009 على الأقل أن معدلات التسرب، وخاصة في المدارس الثانوية، لا تزال مرتفعة، مما يدل على صعوبات واضحة في تحقيق تخفيضات مستقرة ودائمة.
كما تؤكد البيانات أن تطور الظاهرة في السنوات الأخيرة لا يتبع اتجاها تنازليا ثابتا، بل يتسم بالتقلبات وعدم الاستقرار. وسجلت معدلات التسرب انخفاضا نسبيا في عدة سنوات، لكنها ارتفعت مرة أخرى في السنوات اللاحقة. وسيكون البقاء في التعليم الإعدادي كافياً، وسترتفع نسبة التسرب من 10.4% عام 2019/2020 إلى 7.2% عام 2021/2022، ثم ترتفع مرة أخرى إلى 10.3% عام 2022/2023، لتعود تقريباً إلى نفس المستوى الذي كانت عليه في بداية ولاية الحكومة الحالية. الأمر نفسه ينطبق على التعليم التأهيلي الذي ارتفع من 7.4% عام 2019/2020 إلى 4.8% عام 2021/2022 ومن جديد إلى 7.2% عام 2022/2023.
ولا يقتصر مؤشر التغير هذا على معدلات التسرب فقط، بل يمتد ليشمل إجمالي عدد المتسربين من المدارس. يوثق تقرير الفريق المواضيعي المؤقت التابع للجنة الاستشارية لقضايا التعليم والتدريب والإصلاح، الصادر في يوليو/تموز 2023، المسار المتقلب لعدد المتسربين من المدارس في السنوات الأخيرة، مع ارتفاع العدد من حوالي 407000 في عام 2015 إلى حوالي 279000 في عام 2017، ومرة أخرى إلى أكثر من 359000 في عام 2017. وانخفض مرة أخرى في عام 2017. عام 2019، عادت إلى الارتفاع في السنوات التالية، واستقرت في حدود 334 ألف شخص مبتوري الأطراف عام 2022. وتؤكد هذه المعطيات أن الظاهرة لا تتجه نحو تراجع خطي مطرد، بل تشهد صعودا وهبوطا مستمرا.
ويظهر التقرير أيضًا أن معدل البقاء داخل نظام التعليم يتراجع تدريجيًا مع تقدم الطلاب إلى مستويات أعلى من التعليم، مما يعكس استمرار تناقص عدد كبير من المتعلمين على مدار دراستهم، لا سيما مع انتقالهم إلى التعليم الثانوي.
وتزداد أهمية هذه المؤشرات إذا تم تطويرها في سياق الأهداف الرسمية التي أعلنتها وزارة التربية الوطنية. وتتضمن الخطة الإستراتيجية للوزارة التزاما بتقليص الهدر المدرسي بمقدار الثلث بحلول عام 2026، بهدف إعطاء دفعة قوية للتعليم الإلزامي. كما أكد الوزير على هذا التوجه في مشروع كفاءة الأداء المقدم إلى البرلمان بمناسبة موازنة 2025. إلا أن البيانات الإحصائية المتوفرة في السنوات الأخيرة تظهر أن هذه الظاهرة لا تزال على مستوى مرتفع وعلى مسار متقلب، وبالنظر إلى المؤشرات الحالية، فإن تحقيق هذا الهدف في الموعد المحدد المعلن عنه يشكل تحديا كبيرا.
وتكشف هذه البيانات مجتمعة أن النظام لم يتمكن بعد من تثبيت نتائجه أو تحقيق تغييرات هيكلية مستقرة تخفف من الظاهرة، حيث تتراجع التحسينات المسجلة في سنة معينة بسرعة في السنوات اللاحقة، مما يعطي التسرب من المدارس سمة هيكلية ومزمنة بدلا من اختلال التوازن الظرفي المؤقت.
وتسلط الأرقام الضوء أيضًا على ضرورة التعامل مع بعض المؤشرات الرقمية الفردية بعناية، خاصة تلك المتعلقة بنمو المعلمين. صحيح أن عدد الأساتذة ارتفع بشكل ملحوظ خلال العشرين سنة الماضية، لكن في المقابل، عند النظر إلى مؤشرات الإشراف التربوي هناك بعض الانخفاض، كما أن زيادة الموارد البشرية لا تنعكس بالضرورة على تحسن ظروف التدريس. على سبيل المثال، ارتفعت معدلات الإشراف في المدارس الثانوية من نحو 20 طالبا لكل معلم في العام الدراسي 2009/2010 إلى نحو 25 طالبا في العام الدراسي 2022/2023، لكن هذا يعكس فعليا الضغوط المتزايدة داخل الأقسام بدلا من تحسين ظروف الإشراف التربوي.
وبالتالي فإن القراءة المتأنية للبيانات لا تسمح لنا برسم صورة خطية أو وردية لتطور هذه الظاهرة، بل تكشف عن واقع أكثر تعقيدا. وينصب تركيزها الأساسي على استمرار التسرب من المدارس كمشكلة هيكلية مزمنة، لا تستقر مؤشراتها في اتجاه تنازلي ثابت ومستدام، بل تنخفض أحياناً ثم تتزايد من جديد.









