عندما تصبح السياسة العامة موضوعا للتجربة البشرية
قبل أن نتساءل لماذا يهاجر المغاربة؟ وربما نحتاج إلى طرح سؤال أعمق: هل وفرنا لهم الظروف التي تتيح لهم مستقبلا في وطنهم؟
لم يعد من الممكن تقليص النقاش حول الهجرة إلى ضوابط أكثر صرامة على الحدود وإجراءات عبور الحدود. وفي جوانب مهمة، تعكس الهجرة أسئلة تتعلق بالبشر أنفسهم. “كيف يعيش الإنسان؟” ما هي الفرص التي ستتاح له؟ هل سيتمكن من بناء المستقبل الذي يريده داخل مجتمعه؟
ومن هذا المنظور، تصبح قضايا مثل التوظيف والتعليم والصحة والإسكان والعدالة المكانية وجودة الخدمات العامة وتكافؤ الفرص عناصر أساسية لفهم ظاهرة الهجرة. وعلى الرغم من أنها لا تمثل بالضرورة أسبابًا مباشرة، إلا أنها تحدد إلى حد كبير قدرة الفرد على بناء حياة يعتبرها تستحق العيش.
ولا تقاس السياسة العامة بعدد البرامج والخطط والمشاريع المنجزة أو بحجم الاعتمادات المالية المخصصة لها فحسب، بل بمدى القدرة على تحويل هذه الموارد إلى فرص حقيقية لها آثار يشعر بها المواطنون في حياتهم اليومية.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم «العيش الكريم».
قد يكون لدى الشخص دخل معين، لكنه قد يعيش في منطقة تفتقر إلى الخدمات الصحية الكافية، أو يجد صعوبة في الحصول على التعليم المناسب، أو يواجه سوق عمل محدود، أو يشعر أن فرص النمو المتاحة له ترتبط بالمكان الذي يعيش فيه وشبكة علاقاته أكثر من ارتباطه بقدراته. ولذلك فإن المسألة ليست مسألة دخل فقط، بل هي مسألة قدرة وإمكانات فعلية.
وهنا يمكننا الاستفادة من رؤية الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا سين. فبدلاً من اختزال السعادة في مقدار الموارد أو الدخل، يركز أمارتيا سين على ما يستطيع الأفراد فعله بالفعل وما هم قادرون على فعله. ووفقاً لهذا المنظور، فإن العيش الكريم لا يعني امتلاك الوسائل فحسب، بل يعني أيضاً امتلاك قدرة واقعية على تحويلها إلى فرص وحريات حقيقية.
ومن خلال إسقاط هذا الفهم على الحالة المغربية، لا ينبغي أن يكون السؤال مجرد “ما مقدار الزيادة في الدخل؟” كم عدد المشاريع التي أنجزتها؟
بل عليك أن تسأل:
هل أصبح الوصول إلى التعليم الجيد أكثر إنصافًا؟
هل ضاقت الفوارق الإقليمية في استخدام الخدمات الصحية؟
هل يتمكن الشباب بشكل متزايد من العثور على وظائف مستقرة؟
هل أصبحت الفرص أكثر تكافؤا، بغض النظر عن المنطقة أو الخلفية الاجتماعية؟
وهذا يقودنا إلى قضية أخرى لا تقل أهمية. إنه تغيير في تصور الجيل المغربي لما يعنيه العيش حياة كريمة.
وفي المخيلة المغربية التقليدية، كانت عبارات مثل “نحن مختبئون” أو “لا نحتاج إلى أحد في شيء” تحمل دلالات قوية على الاستقرار والقناعة والكرامة والاستقلال عن الآخرين. وفي كثير من الحالات، كان “الستر” يمثل مستوى مقبولاً من الاستقرار الاجتماعي، حتى في ظل الموارد المحدودة.
إلا أن هذا التصور لم يعد ثابتا. نشأ جيل الشباب في بيئة مختلفة. سياق يتسم بتوسع التعليم، والتحضر، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والانفتاح على تجارب المجتمعات الأخرى، والوعي المتزايد بالحقوق والخدمات والفرص.
لذلك، لم تعد الحياة الكريمة بالنسبة لفئة واسعة من الشباب تعني القدرة على إدارة الحياة اليومية وتجنب احتياجات الآخرين فحسب، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بجودة التعليم وجودة الخدمات الصحية والأمن المهني وتكافؤ الفرص وإمكانيات التنمية والقدرة على بناء مستقبل يمكن تحقيقه.
وهنا تظهر مفارقة اجتماعية تستحق التأمل.
وربما تحسنت بعض مؤشرات التنمية، ولكن إذا ارتفعت التوقعات العامة بسرعة أكبر من قدرة السياسة العامة على الاستجابة، فقد لا يرى المواطنون نفس التحسن.
بعبارة أخرى، قد لا تكمن المشكلة بالضرورة في انخفاض مستويات المعيشة، بل في المسافة المتزايدة بين ما يعيشه الناس فعليا وما يعتقدون أنه ممكن وجدير بالاهتمام.
ويمكن تسمية هذه المسافة بـ “فجوة التوقعات الاجتماعية”. قد تساعدنا هذه الفكرة في فهم جزء من العلاقة بين السياسة العامة والهجرة.
عندما يدرك الشباب أن فرص العمل والاستقلال الاقتصادي والتنمية الشخصية محدودة ضمن نطاقهم الاجتماعي، ولكنهم يكتشفون من خلال الاتصالات ووسائل الإعلام أن أنواع أخرى من الحياة والفرص ممكنة في مجتمعات أخرى، فإن الهجرة قد تتحول من مجرد السعي للحصول على دخل أعلى إلى استكشاف إمكانيات أوسع لبناء المستقبل.
وهذا لا يعني أن جميع المهاجرين يغادرون المغرب بسبب فشل السياسة العامة، ولا يعني أنه لا يمكن تفسير الهجرة بعامل واحد. وهي ظاهرة معقدة تتقاطع فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والأسرية والثقافية والنفسية والمؤسسية.
ومع ذلك، فإن التعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها ظاهرة متعددة الأسباب يتطلب تجاوز الأمن والاختزال الاقتصادي إلى نهج يضع البشر في مركز تحليل السياسة العامة.
ولذلك، ينبغي إعادة النظر في الطريقة التي يتم بها تقييم السياسات العامة. لا ينبغي رفض الأرقام والمقاييس. هذه ضرورية لقياس الأداء وتحديد العيوب. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الأرقام غاية في حد ذاتها، وليس وسيلة لفهم ما تغير فعليا في حياة الناس.
لذلك، بالإضافة إلى المؤشرات الاقتصادية التقليدية، يمكن لتقييمات السياسة العامة أن تنظر في دمج مؤشرات أكثر ارتباطًا بنوعية الحياة، مثل:
– الرضا عن الخدمات العامة.
– الشعور بتكافؤ الفرص.
– الوصول الفعال إلى الصحة والتعليم.
– الاستقرار المهني.
– الثقة بالمنظمة.
– مشاعر حول الضمان الاجتماعي.
– والاختلاف في فوائد الخدمة بين المناطق والمجتمعات والفئات العمرية.
لذلك، يمكنك الانتقال إلى السؤال التالي. “كم حققنا؟” والسؤال الأهم: ما الذي تغير فعلياً في حياة شعبنا؟
إن العيش الجيد ليس مفهومًا نفسيًا مجردًا، أو مرادفًا للثروة، أو مجرد شعار اجتماعي. بل هو نتيجة تفاعل مجموعة من الظروف المادية والمؤسسية والاجتماعية التي تمنح الأفراد قدرة حقيقية على الاختيار والاعتماد على الذات وتطوير وبناء رؤية يمكن التحقق منها لمستقبلهم.
ولعل التحدي الحقيقي الذي يواجه السياسة العامة المغربية لا يكمن فقط في الحد من دوافع الهجرة، بل أيضا في خلق بيئة اجتماعية واقتصادية ومؤسسية تجعل البقاء على قيد الحياة خيارا قابلا للتطبيق، بدلا من عدم وجود بديل.
ولعل السؤال الأخطر هو: “كيف نوقف الهجرة المغربية؟”
بل ما الذي يجب أن تقدمه الدولة والمجتمع حتى يشعر المغاربة بأن المستقبل الذي يسعون إليه خارج وطنهم ممكن أيضا في الداخل؟
عندها فقط يصبح من الممكن أن تصبح المحادثات حول الهجرة جزءاً من محادثات أوسع حول التنمية، والعدالة، ونوعية الحياة، والكرامة، وفعالية السياسة العامة. فالأمر يتعلق بالمغاربة باعتبارهم الهدف النهائي لأي مشروع تنموي.
– باحثون في الحقوق والعلوم الإدارية والسياسة العامة – جامعة عبد المالك السعدي بطنجة.
#المهاجرون #والحياة #الكريمة









