“ليس عيبا أن يكون المغرب أفضل من كثير من الدول الإفريقية، وليس عيبا أن يكون أسوأ من بعض الدول الأوروبية. المعيب أن نستخدم إفريقيا معيارا لتبرير التخلف وأوروبا معيارا لتمجيد التقدم”.
ولعل الأحداث الأخيرة في سبتة، مع كل السجالات حول الهجرة والشباب والحدود، هي فرصة لإعادة طرح أسئلة تتجاوز لحظة عبور الحدود نفسها. “كيف ينظر المغاربة إلى بلدهم، وبأي معايير يقيسون المسافة بين واقعهم وما يطمحون إليه؟” خلف صورة الشباب الذين يحاولون الوصول إلى الطرف الآخر، هناك أسئلة ليس فقط حول الهجرة والأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تعرض البعض للخطر، ولكن أيضا حول صورة المغرب في الوعي الوطني والتناقضات التي يمكن أن تميز الطريقة التي نقدم بها هذا البلد لأنفسنا وللآخرين.
وذلك لأن المغرب يبدو وكأنه يتحرك بين معيارين مختلفين للمقارنة في المناقشات العامة. وعندما يتعلق الأمر بالبنية الأساسية والمشاريع الكبرى، هناك حديث عن الفخر ببلد قطع خطوات كبيرة وأصبح لديه الآن موانئ وطرق ومطارات وسكك حديدية عالية السرعة ومناطق صناعية، وقدرات لوجستية وصناعية تقترب من المعايير الأوروبية في بعض المجالات بل وتتنافس مع العديد من البلدان المتقدمة. وعندما يتحول الحديث إلى الفقر والبطالة والفوارق الاجتماعية وجودة الخدمات العامة، يتغير الخطاب، ليقول للمواطنين إن المقارنة العادلة يجب أن تنظر إلى ما هو أبعد من أفريقيا، وأن المغرب لا يمكن مقارنته بالدول الأوروبية التي اتبعت مسارات تاريخية مختلفة.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا منطقيا. كل مقارنة لها سياقها الخاص ولكل دولة نقطة بداية مختلفة. ومع ذلك، فإن المشكلة لا تكمن في المقارنة مع أوروبا أو أفريقيا نفسها، بل في “انتقائية المعايير”. وعندما تصبح أوروبا مرآة للنجاحات وأفريقيا مرآة لتفسير الإخفاقات، فإن المواطنين لم يعودوا يواجهون مقارنات واضحة للتنمية، بل أصبحوا يواجهون خطابات تتغير تبعاً للأسئلة المطروحة.
والمفارقة هنا هي أن المغرب لا يحتاج إلى هذا التناقض إطلاقا. لقد حقق في العقود الأخيرة تحولاً حقيقياً لا يمكن إنكاره. وشهدت البنية التحتية تغيرات كبيرة، مع تطور الموانئ والطرق والمطارات، وظهور قطاعات صناعية جديدة، مما جعل المغرب لاعبا اقتصاديا مهما في القارة الإفريقية. كما نجحت في جذب الاستثمارات والشركات العالمية، مما جعل موقعها الجغرافي ورأسمالها البشري ومصانعها الكبرى عامل قوة حقيقي. وبالتالي فإن الاعتراف بهذه الإنجازات ليس مجاملة، وليس من المبالغة بالضرورة مقارنتها بالتجربة الأوروبية في بعض المجالات.
لكن الأمة لا تقاس بما تبنيه فحسب، بل بما يشعر به شعبها أثناء عيشه داخل هذه المباني. فالطرق الحديثة لن تحل مشكلة البطالة، ولن تتمكن الموانئ المتطورة وحدها من معالجة الفوارق التعليمية. وإذا ظل بعض الشباب يشعرون بأن الانتقال من الدراسة إلى العمل أشبه بعبور منطقة مجهولة، فإن إنشاء منطقة صناعية ناجحة ليس كافيا. فضلاً عن ذلك فإن ارتفاع مؤشرات الاستثمار لا يعني تلقائياً أن ثمار النمو سوف تتوزع على النحو الذي يجعل المواطنين يشعرون بأن وضعهم في المجتمع يتحسن بنفس المعدل.
وهنا بالضبط تكمن الصعوبات الحالية التي يواجهها المغرب. “في حين أن بعض المغاربة يتقدمون بسرعة في بعض المؤشرات، فإن مواطنيهم في البعض الآخر لا يشعرون أن هذه السرعة قد وصلت إلى نفس الدرجة في تفاصيل الحياة اليومية”. وهذا ليس بالضرورة تناقضا، فالتنمية غير متكافئة بطبيعتها، ولكن المشكلة تبدأ عندما نرفض الاعتراف بالتفاوتات أو نحاول معالجة المشاكل الاجتماعية بمجرد تغيير معيار المقارنة.
المواطنون لا يعيشون ضمن مؤشرات منفصلة. يرى الطرق والمستشفيات والمدارس وسوق العمل في تجربة واحدة. وعندما يقارن حياته، لا يستطيع أن يقول: “أنا أقارن بنيتي التحتية بأوروبا، لكن دخلي بأفريقيا، وتعليمي بالدول النامية، وعندما يتعلق الأمر بالاتصالات الرقمية أعود إلى أوروبا”. إنه يريد فقط أن يعرف ما إذا كانت حياته تسير في الاتجاه الصحيح، وما إذا كانت الأمة التي يعول عليه أن يثق بها تتحرك بالفعل في الاتجاه الموعود.
وهذا ما يجعل أحداث سبتة أكثر من مجرد حادث حدودي. الشباب الذين ينظرون إلى الجانب الآخر لا يرون الموانئ أو المطارات، ولا يهتمون بالسكك الحديدية أو البنية التحتية، وغالبًا ما يهتمون بصورة مختلفة عن شكل الحياة. قد تكون هذه الصورة مثالية أو مبالغ فيها، وقد لا تعكس واقع أوروبا المضطربة، لكن تأثيرها النفسي لا علاقة له بالدقة الإحصائية. تعيش الأجيال الجديدة في عالم مفتوح على الصور والمعلومات والمقارنات اليومية، ولم يعد من الممكن أن نطلب منهم تقييم أنفسهم فقط بما كان متاحا للأجيال السابقة أو ما هو موجود في البلدان المحيطة بهم.
وهنا يظهر تناقض آخر. “كلما نجحت دولة ما في تحسين صورة المغرب، كلما ارتفعت توقعات مواطنيها”. وعندما نقول إن لدينا بنية تحتية تتوافق مع أفضل النماذج، فمن الطبيعي أن يتساءل عامة الناس لماذا لا تنعكس نفس المعايير في المدارس والمستشفيات والحكومة وسوق العمل. من خلال تقديم المغرب كمنصة صناعية ولوجستية عالمية، فمن الطبيعي أن يتساءل الشباب عن مكانهم ضمن هذا النظام، وكم من الفرص التي توفرها لهم هذه المشاريع، ولماذا يشعرون أحيانًا أن الاقتصاد الذي يرونه في الأخبار ليس هو الاقتصاد الذي يعيشون فيه في أحيائهم وفي منازلهم.
وعلى هذا فإن جوهر المشكلة ليس اقتصادياً فحسب، بل إنه يرتبط أيضاً “بالثقة في المؤسسات”. فالثقة لا تبنى على الأداء وحده، بل على اتساق الكلمات والخبرة. وهنا تكتسب خاتمة كتاب فرانسيس فوكوياما “الثقة: تحقيق الفضيلة الاجتماعية والرخاء” أهمية كبيرة. وهو يعتقد أن الثقة والفضائل الاجتماعية ليست مجرد قيم أخلاقية، ولكنها أصول أساسية لقوة المجتمعات وقدرتها على بناء مؤسسات واقتصادات أكثر فعالية. ومع ذلك، فإن الثقة ليست نتيجة ثانوية للتنمية، بل هي أحد شروط التنمية المستمرة. وقد يتقبل المواطنون أن بلادهم أقل تقدماً من أوروبا في العديد من المجالات. وربما يقبل ذلك بسهولة إذا شعر أن الدولة تدرك الفجوة وتعمل بشكل واضح على تقليصها. لكنه لم يعد مستعداً لقبول خطاب يعلن ضمناً: “عندما نفتخر نقارن أنفسنا بالأفضل، وعندما نطالب بالأفضل يُطلب منا أن نرى الأسوأ”.
الحل ليس في التوقف عن المقارنة، بل في جعلها أكثر نضجاً. ويمكن للمغرب أن يقارن بالدول الإفريقية ليرى أين يقف في القارة، ومع أوروبا ليرى حجم الفجوة التي يريد سدها، ومع أفضل تجربة في العالم لرفع سقف طموحاته. ولكن الأهم من ذلك كله أنه يقارن نفسه. أين كنت قبل 10 سنوات؟ ماذا ستنجز؟ ماذا تعثرت؟ ماذا يجب أن أغير؟
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن نتعلمه من سبتة. والسؤال ليس فقط لماذا كان هؤلاء الشباب يحاولون العبور. ولكن أيضًا: “لماذا لم يجد بعضهم بلادهم مغرية بما فيه الكفاية في المستقبل واختاروا البقاء؟” الهجرة لا تبدأ بالضرورة عند الحدود. في بعض الحالات، يبدأ الأمر في وقت أبكر بكثير، عندما يفقد الشخص الإحساس بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم.
إن المغرب لا يحتاج إلى الاختيار بين أوروبا وأفريقيا ليثبت نجاحه. كل ما نحتاجه هو معيار واحد يبقى ثابتا عبر المواضيع: أن كل سنة أفضل من التي سبقتها، وأن الفجوة بين صورة المغرب التي نقدمها للعالم والحياة التي يعيشها مواطنوه في الداخل تضيق ولا تتسع.
إذا حدث هذا، فسوف تصبح سبتة أكثر من مجرد حدود بين ضفتين؛ وسوف تصبح ذكرى للوقت الذي أدرك فيه المغرب أنه على الرغم من أهمية بناء الطرق والموانئ والمصانع، فإن “أهم البنية التحتية كانت بناء الأمل في نفوس شعبنا”.
#سبتة…مغرب #أوروبا #عندما #نفتخر #مغرب #أفريقيا #عندما #نكون #مسؤولين #صوت #المغرب









